Kurdî  |  Tirkî

الصراع والحرب والإرهاب على كردستان

قائد 1 2017 copyإن بروز وتنامي الصراع الاجتماعي والاقتصادي الأول والأشمل في التاريخ على أرض كردستان لأسباب يمكن إيضاحها؛ لهو أمر باعث على الإمعان والتفكير. وحسب ما يُفهَم من التحركات السكانية، نرى أن التكاثف السكاني يحصل بحدوث التدفقات الجماعية.

المختلفة القادمة من المناطق المسماة اليوم بالبلاد العربية وأفريقيا الشمالية جنوباً، ومن إيران شرقاً، ومن قفقاسيا شمالاً، ومن بلاد الأناضول غرباً. إذن، فقد حصلت أولى وأعظم التدفقات البشرية الجارفة في التاريخ بمضامين اجتماعية وأهداف اقتصادية، صوب كردستان اليوم، التي لعبت دور "وطن الشمس" من أجل البشرية، طيلة خمسة عشر ألف عاماً على وجه التقريب؛ تماماً مثلما هي التدفقات البشرية الراهنة صوب أوروبا وأمريكا الشمالية.

بديهيٌ جداً أنَّ لعبها دور وطن الشمس كل هذه الحقبة الطويلة سيشكل الدافع لأن تكون الحلبة التي تدور عليها الصراعات والنزاعات والاحتدامات الكبرى. وبعد الهضم الكثيف للثقافة النيوليتية قرابة تسعة آلاف سنة قبل الآن، برزت التطورات المؤدية إلى تحركات سكانية، ولكن في الاتجاه المعاكس هذه المرة. تشير المعطيات التي بحوزتنا إلى انتشار الثقافة النيوليتية قبل الآن بقرابة سبعة آلاف عاماً، بشكل جسدي (مع أناسها) وثقافي (بتأثيراتها فقط) معاً، انطلاقاً من المحيط الأطلسي صوب أطراف الصين الباسيفيكية شرقاً، وسيبيريا شمالاً، وأفريقيا الشمالية جنوباً. هكذا تناقَصَ التكاثف السكاني من على نواة نشوء الثقافة النيوليتية.

يُخمَّن وضوح معالم تكوينة المجموعة اللغوية والثقافية الآرية فوق أراضي كردستان، قبل حوالي سبعة إلى خمسة آلاف عاماً (5000 – 3000ق.م)، لتنتقل من المجتمع الكلاني والقبَلي إلى المجتمع العشائري. يشمل المجتمع العشائري مجموعة أفراد أوسع نطاقاً، بحيث تربطهم أواصر تنظيمية وعملياتية أكثر صرامة. فبينما يتراوح عدد أفراد المجتمعَين الكلاني والقبَلي بين 20 – 50 شخصاً، يقوم المجتمع العشائري بتنظيم المئات من الأشخاص. ولدى احتدام المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، تشير هذه الوضعية إلى إمكانية تعاظم الصراعات والنزاعات بين الجماعات العشائرية. تشير المعطيات الآركولوجية (الأثرية) المتبقية من هذه الحقبة (الدمار الكامل لبعض القرى) إلى مدى ضراوة الصراعات الاجتماعية، ولكن لأسباب داخلية بالأرجح. أما التضخم السكاني المتزايد في الأراضي الخصيبة وعلى أطراف المياه الجارية، وأطماع الجوار؛ فقد شكلت الأسباب الاقتصادية لتلك الصراعات، التي نستطيع التخمين بأنها أسفرت عن تحديد الحدود العائلية لمختلف العشائر. هكذا يكون من الوارد إرجاع أصول مناطق العشائر وجذورها إلى أعوام 4000ق.م، حيث فصلت العشائر أملاكها المشتركة من أراضٍ زراعية ونجود وهضاب. هذا بالإضافة إلى سيادة الاعتقاد بتطور التنوع الثقافي وتعدد المجموعات اللغوية واللهجات الخاصة بكل عشيرة منها، في تلك الأثناء. كذلك هي الحال بالنسبة لتَشَكُّل الأشكال والفكرات الأولى للموسيقا والرقص وقوة التعبد. في حين تعكس العديد من الهياكل النسائية المعثور عليها، مدى رجحان كفة ثقافة الأم الأهلية. بمقدورنا تعريف هذه المرحلة بمرحلة صراعات ونزاعات ذات مضامين اجتماعية ومآرب اقتصادية.

تفيد المرحلة الممتدة ما بين (3000 – 2330ق.م) بحقبة نشوء ونضوج الحضارة السومرية في ميزوبوتاميا السفلى. لقد بلغت الصراعات مستوى الحرب. ولأول مرة في تاريخ البشرية نشأت تقاليد الاستيلاء على القيم الاقتصادية ونهبها بالعنف، وبالقوة العسكرية المخططة والمُعَدَّة مسبقاً. إن قوة السلطة القتالية ليست في مضمونها سوى قوة نهب وسلب. أي أن الغصب والسلب والنهب مستتر وراء الصفات المتقمَّصة كغطاء شكلي، من قبيل الألوهية والقدسية والبطولة.

كردستان هي إحدى المصادر الأم لنشوء هذه الحضارة. وما ملحمة كلكامش – الملحمة الأولى المدوَّنة في تاريخ الحضارة السومرية وكافة البشرية – سوى تعبير قصصي عن أسفار النهب والسلب القائمة في أراضي كردستان. يتحدث لُبُّ الملحمة عن خروج كلكامش (أحد الملوك الأوائل الأشاوس في أوروك) مع نائبه البربري المسمى بـ"أنكيدو" (الرجل الذي سَلَبَت عقلَه امرأة ترمز إلى الحضارة المدينية) في أسفاره صوب كردستان. في الحقيقة، عندما يهبط أنكيدو من الجبل إلى المدينة، يمثل بذلك المثال الأول للجبليين (الكورتيين) المتواطئين مع القوة الحاكمة. لربما كان كلكامش بذاته آتياً من الجبال العليا في جذوره. ذلك أن كلمة كلكامش تعني "الجاموس الضخم" والتي تفيد بـ"رجل كالثور". ليس مصادفة أبداً أن يكون تاريخ كردستان مليئاً بمثل أنواع الخيانة تلك. فالسومريون كانوا مرغمين على القيام بأسفارهم الحربية العسكرية المتعاقبة على التوالي، بسبب حاجتهم الماسة لأخشاب النجارة والحجارة المشذبة والمعادن. وما الحروب التي نشاهدها اليوم في أزمة العراق الأخيرة، سوى اختزالاً للتاريخ الماضي.

تُشكِّل مشاركة القوى الحضارية لأول مرة في مرحلة الغزو والاحتلال والاستيلاء والنهب على كردستان، تطوراً نوعياً، حيث تتحقق أسفار وحروب النهب والاستعباد للقوى الدولتية على المجتمعات الإثنية كالعشائر والقبائل والكلانات. فبينما كانت الصراعات في المراحل السابقة تنشب بغرض الدفاع عن الذات أو الحظي بالمياه الجارية والتحكم بها، واكتساب الأراضي الخصيبة؛ غدت في المرحلة الحضارية تهدف إلى الاستعباد والنهب قبل كل شيء، بحيث يكون القتل المخطط والعمد للإنسان، أو أَسْره، البؤرة النواة فيها. ويغلب الظن باستمرار التدفقات المتبقية من المراحل السابقة من الجهات الأربعة إلى المنطقة، ونقل الثقافة السائدة في المنطقة إلى الخارج. تسلط اللقى الأثرية (الآركولوجية) المتبقية من الهوريين الضوء على حقيقة الصراعات والحروب المندلعة في تلك الحقبة. وما الأنظمة الدفاعية وقصص البطولات، سوى براهين على وجود تلك الصراعات والحروب وسيادتها. حيث تتدفق المجموعات الغازية والاستيلائية على الدوام في أعوام 2000ق.م، عن طريق إيران وقفقاسيا والأناضول والساحة العربية. أما أسوار المدن السومرية، والقلاع الهورية؛ فبُنِيَت بغرض الحماية منها. في حين كان اللجوء إلى الجبال منطلِقاً من ملاءمة تلك الجبال الطبيعية الشاهقة للحماية والإيواء. هذه هي بالذات حقيقة كون "الجبال = مأوى تمركز الكيانات الإثنية الكردية". لقد سعى جميع أسلاف الكرد – تقريباً – إلى حماية أنفسهم في ذرى جبال كردستان القلاعية المتسلسلة، ليكون ذلك مهنة لهم يمتهنونها لآلاف السنين، تجاه شرور قوى الاحتلال والاستيلاء والنهب المتدفقة كالسيل الجارف عليهم. وعدم تطويرهم الزائد للحضارات المدينية في المناطق السهلية، يَمُتُّ بِصِلة وثيقة بهذه الحقيقة التاريخية.

نشاهد انضمام عناصر جديدة إلى أسفار الغزو والاستيلاء على كردستان في المرحلة ما بين (2000 – 1000ق.م). حيث تنضم الحضارة الحثية المؤسَّسة في بلاد الأناضول الوسطى، وكذلك الجماعات البربرية المسماة بالإسكيتيين من بلاد القفقاس؛ إلى مرحلة الاستيلاء على الحضارة الهورية الميدية من جهة، وعلى المدن البابلية والآشورية الأغنى في الجنوب من الجهة الثانية. مقابل ذلك، كانت مجموعات أسلاف الكرد هي المجموعات التي عانت الأمَرَّيْن مرة أخرى. حيث، وبينما كانت الدول السومرية والبابلية والآشورية فقط تهاجمها في الماضي من الجنوب، انضمت إليها الآن من الشمال الدولة الحثية والبرابرة الإسكيت المشهورون بضراوتهم في القتال. بل وانضمت في تطويقها أيضاً القبائل البرسية من إيران، والمجموعات الإثنية اللوية من الغرب. شكَّل كون كردستان مساحة وافرة الغنى، وموقعها المتوسط في المنطقة الانتقالية بين الحضارات الجديدة المؤسَّسة؛ ثنائية جدلية بكل معنى الكلمة. حيث تطورت المقاومة من جهة، والتواطؤ من الجهة الأخرى، بغرض العيش وتأمين فرص الحياة. فبينما تلاعبت الشريحة العليا الهرمية من أجل التواطؤ، كان القطاع السفلي مرغماً على المقاومة دون توقف.

برزت الحاجة في هذه المرحلة لتكوين التحالف الحثي – الميتاني، لدى ظهور القوة الآشورية المروِّعة إلى الميدان. لقد شهدت فترة حوالي أعوام 1500ق.م المفعمة بالتحرك والنشاط في التاريخ؛ العديد من الاتفاقيات الديبلوماسية السياسية في هذا الاتجاه، بقدر تَعَرُّفِها على الحروب أيضاً. حيث استُولِي على بابل الشهيرة في عام 1596ق.م بشراكة الحثيين والهوريين. ويُعتَقَد بأن "حرب قادش" الشهيرة وسلامُها تحققا في أعوام 1280ق.م. هذا ويسود الاعتقاد بأن فرار سيدنا إبراهيم من نمرود أورفا حصل في أعوام 1650، كما حصل فرار موسى من فرعون مصر في بدايات أعوام 1300ق.م. في حين عاش حمورابي الشهير في أعوام 1750ق.م. لقد لعبت كردستان دور الساحة المركزية في هذه القرون المشحونة بالحروب والسلم؛ وكانت الوطن الذي لم تنطفئ جذوة الحرب فيه.

وفي حوالي (1000 – 330ق.م) تشهد الحضارات ذات النواة الميزوبوتامية آخر أعظم مراحلها. حيث تواجدت الإمبراطورية الآشورية في الميدان كقوة بارزة ومحدِّدة في التاريخ. واستفردت نينوى بالريادة في مبارزتها مع مدينة بابل. هذا واشتهر الآشوريون بإذهالهم جيرانهم. فالخصائص الأخرى لألقاب الإمبراطورية الشهيرة تمثلت في عمل عجينة من جثث البشر، وبناء الجدران والقلاع بها. في حين كانت أفتك أسفارها الحربية موجَّهة صوب قلب كردستان، وصوب سوريا ومصر. واستطاعت نشر تأثيراتها حتى غربي الأناضول. هذا وتبَعثَر الحثيون في هذه المرحلة على يد الفريغيين ذوي الأصول المتأتية من "تراقيا Trakya" في أعوام 1200ق.م؛ لتتأسس في أماكنهم مَلَكيات المدن الصغيرة في جنوب سلسلة جبال طوروس. أما في كردستان، فتأسست الكونفيدرالية النائيرية (بمعنى النهرية) أولاً في الإقليم المسمى اليوم بمقاطعة بوطان، وذلك في أعوام (1200 – 900ق.م على وجه التخمين)؛ لتَعقبها بعد تبعثرها الدولةُ الآورارتية الشهيرة (875 – 606ق.م). شَنَّ الآشوريون أسفاراً حربية مجحفة على هذه الدول والإمارات المؤسَّسة بعد عهد الحثيين. هذا وثمة العديد من البقايا تُصوِّر حَلَبات المعارك الدائرة، وعلى رأسها النتوءات الصخرية النافرة. ويغدو حمل رؤوس البشر المقطوعة عادةً مألوفة في تلك الأزمان. مرة أخرى تكون أهم الأهداف لتلك الحروب هي الاستيلاء على أخشاب النجارة والمعادن والطرق التجارية. وقد فلح الأورارتيون في صد تلك الغزوات، مما يَفهَم المرء أنهم كانوا مشهورين في الأمور الدفاعية.

أما الميديون الموجودون في الشرق، في الأراضي المسماة اليوم بكردستان إيران؛ فقد استفادوا من تجارب الأورارتيين في تلك الفترة في تعزيز وجودهم، وإدراك متطلبات كيانهم السياسي؛ وتحدَّوا الاعتداءات الآشورية القادمة من الشرق، مما زاد من قوتهم تعزيزاً واتساعاً. وما الاستعدادات والمقاومات الشهيرة التي استمرت ثلاثة قرون بحالها في التاريخ، سوى تعبيراً عن عهد الأورارتيين وتعزز وجودهم. فالتغلب على الآشوريين آنذاك يشبه أن يتغلب عراق اليوم على أمريكا. بالتالي، فقد تطلَّب ذلك استعدادات قوية للغاية، وتحديثات تكتيكية بارزة. وأخيراً يفلح القائد العسكري الميدي الشهير "كي إخسار Keyaksar" وحليفه البابلي "نبوخذ نصر Nabukadnezar" في حرق نينوى وتدميرها ودكّ دعائمها. وفلح الميديون في 612ق.م في تأسيس كيان سياسي أقرب إلى الإمبراطورية (يُخمَّن أنه في أعوام 715 – 550ق.م)، وجعلوا من أقبطان (همذان اليوم) مركزاً لهم. إنه كيان تطغى عليه النوعية الكردية. إلا إن اعتداءات الإسكيتيين شمالاً، والقبائل البرسية ذات القرابة معهم شرقاً وجنوباً؛ تعيق من تعزيزهم وجودَهم. وأدت خيانة "هرباكوس Harpagos" وتواطؤ البرسيين، إلى استلام "كيروس Kiros"، ابن أخ المَلك الميدي، مقاليد الحُكم. وهذا ما معناه انتقال مقاليد الحكم إلى قبضة هرمية القبائل البرسية.

يُدَوِّن التاريخ أن فتح أراضي الأناضول برمتها، وبالتالي القضاء على الخطر الميدي البرسي الأعظم من جهة، والاستيلاء على الزخم الغني الذي لا نظير له من جهة أخرى؛ كان هَوَساً يقضُّ مضاجع الأرستقراطيين الهيلينيين والمكدونيين. حيث يصوِّرون هذا الخيال في أذهانهم ليل نهار، ويتجادلون سياسياً بشأنه، ويُجمِعون على العقيدة القائلة بأن الفلاح في ذلك هو أعظم عمل مقدس. يقوم المفكر العظيم أرسطو (385 – 320ق.م) بتلقيح الإسكندر الكبير، ابن المَلك المكدوني فيليب تلميذ أرسطو، بهذه العقيدة والوعي على الدوام. ثمة احتمال سائد بأن فكرة رؤية الأناس الشرقيين كالحيوانات، ووجوب سحقهم كالنمل؛ قد لقَّحها أرسطو للإسكندر. وبعد ترعرع الإسكندر ضمن هذه الأجواء وفي ظل التعليم المكثف لمعلمه، يقوم (بعد أن قُتِل أبوه وهو لا يزال في سن مبكرة) بشق طريقه في حروبه الشرقية المغيِّرة لمسار التاريخ؛ وذلك بعد أن قام بتوحيد الهيلينيين، ومن ثم العشائر المتواجدة في أطراف مكدونيا. وكأنه بذلك يرد الجواب على داريوس الأكبر بكونه الإسكندر الأكبر. من المعلوم أنه سحق الناس كالنمل تحت قدميه في حروبه – التي يمكننا نعتها بحروب الصاعقة – ليبلغ تخوم نهر الغانج الهندي. هكذا لا يترك بقعة إلا ويتحكم بها. أشهر حروبه هي معركة "غافغامالا Gavgemala" (331ق.م)، التي دارت رحاها في مدينة "آربلا Arbela" في جوار مدينة أربيل اليوم. ويُوقِع الإمبراطورية البرسية في خضم حرب ضروس. ولدى عودته مجدداً إلى بابل، العاصمة الثقافية في تلك الأثناء، يستمر في الانهماك بأعمال تليق بلقبه وشهرته. حيث يقوم بتزويج عشرة آلاف شاباً محارباً من بلاد البلقان من عشر آلاف فتاة من نبيلات الميديين والبرسيين، دفعة واحدة؛ ليكون ذلك رمزاً للتركيبة الشرقية – الغربية الجديدة. في حين يتزوج هو بنفسه من ابنة المَلك داريوس الثالث، الذي كان آخر مَلك يتغلب عليه. ولدى قيامه بالإعداد للسير على جمهورية روما الحديثة العهد، وافته المنية وهو لا يزال يافعاً في السن، بإصابته بجرثوم من البعوض العائم في المستنقع.

كثيرة هي الآثار التي طبعها الإسكندر على كردستان. وما مدينة "بتليس" سوى من بقايا أحد قواده المسمى بـ"بالليس Ballis". يقال بأنه تخطى جبال زاغروس كالأنصار. كما ويقال بأنه كان شبه إله في الشؤون العسكرية. ومع أسفاره وحروبه، دخلت كردستان مفترق طرق جديد، لتكون مركز الصراعات الشرقية – الغربية. بالإضافة إلى أن كردستان كانت المركز الذي غلبت عليه المعارك الدائرة بين الإمبراطورية البارثية المبنية على أنقاض البرسيين في إيران (250 – 216ق.م) والمَلَكيات الهيلينية اللاحقة لعهد الإسكندر. هذا وقد دخلت المَلَكيات الأرمنية أيضاً في الميدان. ويتم تناقل حق الفتح بين الأجيال كأساس لكل الحقوق الأخرى. وتُجهَّز شواطئ نهرَي دجلة والفرات بالقلاع الحصينة. وتَتَّخِذ كلُّ المدن الدفاع أساساً لتُحصِّن نفسها بالقلاع والأسوار. مرة أخرى تبرز الأهمية الخاصة للمماليك كوماغنا (مركزها ساموسات) وآبغار (مركزها أورفا) وبالميرا (مركزها مدينة بالميرا)، في عهد المماليك الهيلينية؛ لتخلق آثاراً نخبة من التركيبة الجديدة الشرقية – الغربية. أما من الناحية الذهنية، فتتميز هذه الفترة باختلافها عن سابقاتها ولاحقاتها، بحيث يمكن نعتها بالمرحلة البرّاقة للحضارة. وتشاهَد التأثيرات الإيرانية (البارثية) والهيلينية متداخلة في تلك الأثناء. في حين كان التبادل الثقافي حيوياً وفعالاً بقدر حيوية التبادل التجاري.

كانت أبواب كردستان – مرة أخرى – مأوى للحواريين، لدى هروبهم من بطش وإرهاب روما بعد عهد سيدنا عيسى؛ ليقطنوا في مدن أنطاكية وأورفا ونصيبين. بالمقدور القول أنه تم آنذاك ولوج مرحلة يتبدى فيها الإرهاب السياسي والديني حديثاً. حيث فَتَحَت إمبراطورية روما في أعوام 50م بالأكثر، كل أراضي بلاد الأناضول وسوريا وفلسطين ولبنان، وتخطت ضفاف الفرات. أما المجموعات المسيحية البارزة حديثاً، فبعد صَلب سيدنا عيسى تأوي إلى أجواف الجبال، والملاجئ تحت الأرضية، والمغاور والبراري. إنها مرحلة نصف سِرّية. ولربما كان الإرهاب السياسي طُبِّق لأول مرة بشكل جماهيري على المؤمنين المسيحيين. لهذا السبب كانت جبال كردستان المركز الأول الذي آواها. لقد بلغت إمبراطورية روما، التي استولت على كل المَلَكيات الهيلينية، تخوم الإمبراطورية البارثية. ولدى الحظي بالقائد الروماني الشهير "كراسوس Crasus" ميتاً (في أعوام 50م) احتفى البارثيون والأرمن بهذه المناسبة، وأظهروا رأس "كراسوس" أياماً عديدة في مدينة "كتاسيفون Ktesifon" في كردستان.

واعتباراً من القرن الثالث الميلادي، يأتي الدور على الصراعات بين الإمبراطوريتين الرومانية والساسانية. وتدور رحى أفتك الحروب في التاريخ على ساحة كردستان ثانيةً، لتكون حدودها نهر دجلة فينة، ونهر الفرات فينة أخرى. وتُهدَم المدن تكراراً ومراراً، كديار بكر ونصيبين، ويأتيها حكام متبدلون. وتتجزأ كردستان على الدوام. لذا، لن يكون منطقياً انتظار حدوث التطورات في المنطقة التي طالما يتقيأ فيها العنف والنهب والسلب في أحضان الحضارة. وبينما استمرت الحياة في الجبال على شكل أكوام وجماعات (Kom)، باتت مراكز المدن مقرات للاستيلاء. ويتبدى تمايز حاسم بين المجتمع الإثني والمجتمع العسكري. أما الحلقة الوسطى التجارية، فهي الكامنة بين الغزاة الطغاة والمجموعات الإثنية. تشهد المنطقة فترة معتمة داكنة في القرنين الرابع والخامس، بسبب الحروب المتتالية بين كلتا الإمبراطوريتين. اللهم فيما عدا الأنشطة الدعائية التي قامت بها المجموعات المسيحية والمانوية، في ظل رعب الإرهاب؛ كنشاط اجتماعي هو الوحيد في جديته. لربما كان انهيار مماليك بالميرا وأبغار وكوماغنا، هو بداية هذه المرحلة الداكنة. إنها أواخر مرحلة العبودية الكلاسيكية.

تقوم المسيحية على التبشير بالمرحلة الجديدة، ونشر العقيدة القائلة بمجيء النور بعد الظلام, وسيادة المَلَكية الإلهية على الدوام. لقد تطورت أيديولوجية التحرر والخلاص، وتأسيس جيش التحرير الاجتماعي، لتنهار كلتا الإمبراطوريتين من داخلهما. في حين أن الهجمات القاسية للإثنيات من الخارج ستعمل أولاً على تقسيم روما، لتمهد لانهيار قسم منها. هكذا غدت الإمبراطورية البيزنطية (روما الثانية) تهرع إلى ميزوبوتاميا وتطمع فيها. وبإضافة الاشتباكات بين المذاهب المسيحية، يتولد انقسام أشبه بالانقسام السني – العلوي الراهن. بالتالي، تنضم الصراعات الدينية المذهبية إلى الصراعات السياسية. وبتقمص الصراع الاجتماعي للرداء الديني، تتبدى الصراعات الإثنية بمظهر الأمة. أما الكهنة السريانيون (خوري)، وبالأخص النسطوريون منهم، فهم كالمحاربين العلماء بكل معنى الكلمة. تتماشى الصراعات الدينية والمذهبية مع الصراعات السياسية والعسكرية. وتمر هذه المرحلة بعقد الآمال على عودة المهدي، المسيح، وأنبياء اليوم الآخر، إلى العالَم الأرضي مرة أخرى.

إن سيدنا محمد قدير وكفء في جس نبض الزمان. ويزداد الاعتقاد تدريجياً بأن النبي المنتَظَر هو سيدنا محمد بالذات. ويَلِدُ كالشمس الساطعة وسط ظُلُمات الجاهلية التي تمر بها القبائل العربية المتصارعة. بات عصر السعادة على الأبواب. لقد شهد القرنان السادس والسابع مرحلة ولادة الإسلام وانتشاره العظيم. قل جاء الحق وزهق الباطل. أشرقت الشمس وزال الظلام. تتحقق الفتوحات المتعاقبة لتصل أبواب كردستان، ولكن من الجنوب في هذه المرة. ودارت الحرب، لكن، لا لأجل السلالة أو المَلَكية، بل في سبيل الدين والإسلام.

تتركز الفتوحات الإسلامية في كردستان، بعد فشلها الذريع في معركة القادسية في عام 642م. وتبدأ مرحلة أسلمة المنطقة بلدةً بلدة. وبينما جهد الإيرانيون للحفاظ على تعددياتهم عبر المذهب الشيعي، سعى الكرد لمواصلة وجودهم كقوم وإثنية، بالإصرار على الزرادشتية، أو بالعلوية كأضعف غطاء إسلامي.

الإسلام في حقيقته أيديولوجية حرب وطنية عربية مؤثرة، رغم أنه ككلمة يعني "السلام". حيث يطمح إلى العولمة العالمية، كما هي حال العولمة الراهنة. العبادة العظمى فيه هي الجهاد. كل شيء مفتوح في سبيل الجهاد (الحرب) يكون لك، فإن شئتَ استعبدْ المهزومين، وإن شئت حظيتَ بالنساء فوراً. أي أن الإسلام لا يكتفي بالفتح العسكري فقط – تماماً كطراز السلطنة الراهنة – بل يبسط نفوذه على كافة القيم الاجتماعية والاقتصادية والعقائدية المفتوحة. الأرجح هنا هو الهيمنة الذهنية. فالإسلام، باعتباره أيديولوجية الإقطاعية، يطمح ويعزم على إعادة تشكيل المجتمع الشرق أوسطي برمته. إنه يُعِدُّ الأرضية الاجتماعية للإمبراطورية الإسلامية، التي ستتنامى على التوالي، بمفهوم الأمة المؤمنة الواحدة. وما الأيديولوجية التوحيدية المخلوقة والمصوغة بمهارة فائقة، إلا أرضية أيديولوجية للسلطنة كسلطة وحيدة تمتلك جميع الصلاحيات. ولربما كان الإسلام، الذي خلق القاعدة المؤمنة والقمة السلطانية بكل مهارة، هو النظرية الأكفأ مهارة للإقطاعية المركزية في العالم أجمع.

تقوم الإثنية العربية بإحدى أعظم انطلاقاتها في التاريخ مع الإسلام، بعد أن كانت عاجزة عن الخروج بأي شكل من الأشكال من شبه الجزيرة العربية، منذ أيام السومريين. وتُطفِئ جذوة غليلها للسلطة، والتي كانت متأججة لآلاف السنين، بِدَكِّها دعائم البيزنطيين والساسانيين؛ لتؤسس مدنية إقطاعية عظيمة ومدهشة. يشكل الأمويون (650 – 750م) والعباسيون (750 – 1258م) ذروة الإمبراطورية العربية. التوسعات صوب كردستان وطيدة بالطبع. حيث يصلون حواف جبال طوروس وزاغروس، متسببين خلالها بالمجازر الكبرى. إنها مسيرة حلاّجية (نسبة إلى الحلاّج) بنمط إسكندراوي (نسبة إلى الإسكندر). حيث يُبدون القدرة على التوغل حتى تخوم بلاد القفقاس وهنديقوش وبيرانا وإسطنبول.

وبوصولنا أعوام 1000م، نجد الديانة الإسلامية بلغت أوجها. حيث قامت القبائل العربية في أعوام 1000م بما قامت به القبيلة العبرية في أعوام 1000ق.م. ويبرز إلى الميدان أتراك الأوغوز، ومن ثم السلاجقة فالعثمانيون. حيث استلم السلاطين من الأصول التركية إدارة شؤون الحرب الأخيرة الكبرى، تحت اسم الإسلام والسُّنّة. ويمر خط الصراع التقليدي مرة أخرى من كردستان، في عهد العباسيين والسلاجقة. حيث تدير القوى البيزنطية والسلطانية معظم حروبها في مناطق كردستان؛ تستولي عليها تارة، وتتخلى عنها للطرف الآخر تارة أخرى. هكذا تكتمل عملية أسلمة كردستان. وتُدحَر القوى البيزنطية منها في معركة ملازكرت (1071) على يد السلطان السلجوقي ألب أصلان. وتقطع الحضارة الإسلامية أشواطاً ملحوظة في التقدم، رغم وجود الصراعات والاشتباكات بين السلاطنة الأيوبيين والإمارات التركية. ويبرز الإسلام في الصدارة في مناطق عديدة مثل أورفا، ماردين، ديار بكر، سيرت، ملاطية، وآل عزيز؛ ليدفع بالوجود المسيحي والسرياني والأرمني إلى المرتبة الثانية.

وفي القرنين الثالث عشر والرابع عشر، تؤدي الغزوات المغولية والصليبية إلى الدمار والقتل الجماعي في المنطقة كسرب الجراد. وتستمر الهجرات واللجوء إلى الجبال. وترتَجُّ المنطقة ثانية. ويتحقق التجزؤ التقليدي المعروف، ويُرسَم خط الحرب فيما بين الصفويين (مركزهم إيران) والعثمانيين (مركزهم البلقان والأناضول). هكذا يتجدد حدوث ضرب من الثنائية البيزنطية – الساسانية. وتُرسَم الحدود الشرقية الكلاسيكية في أقصى الشرق مع انتصار ياووز سليم في معركة جالديران في عام 1514 (بالاشتراك مع الشرائح الكردية السُّنّية). وتُوضَع في كردستان لَبَنات الانقسام المستمر حتى حاضرنا. رغم تواجد الهجمات المتعاقبة من تخوم الحدود نحو الداخل، إلا أنه، وبإبرام معاهدة قصر شيرين في عام 1639؛ حصل انقسام كردستان المستمر حتى راهننا، وخُطَّت الحدود الرسمية واعتُرِف بها، بين كل من القوتين الأناضولية والإيرانية، بحيث تبقى غالبية الكرد وأراضي ميزوبوتاميا ضمن حدود الإمبراطورية العثمانية.

تمر مرحلة هادئة نسبياً حتى بدايات أعوام 1800، ضمن التوازنات المقامة بين العثمانيين والإمارات والحكومات الكردية. وبينما تتطور الحضارة الإسلامية على الخط السُّنّي، اضطر الكرد الزرادشتيون والعلويون إلى الإيواء في ذرى الجبال وتفضيل العيش في زوايا العراق، وهم في حالة شبه متمردة. وبسبب هاجس الصفويين الذي يقض مضجع ياووز سليم، يقوم الوزير الأعظم لديه "مراد باشا البئري" برمي 40 ألف شخصاً علوياً في البئر وهم أحياء، ويعدم "بير سلطان عبدال"؛ ليرتكب بذلك أشنع الأمثلة دلالة على الإرهاب، والتي تركت بصماتها في التاريخ. قبل ذلك أيضاً، كان ثمة أمثلة مهمة تشير إلى الإرهاب، كإنهاء الحركة المتطلعة إلى بناء نظام مشاعي بزعامة الشيخ بدر الدين، وقمعها بالمجازر، ومن ثم إعدام زعيمها الشيخ. وما قمع تمردات الجلاليين، الذين ثاروا على الفقر والفاقة، وعلى التجنيد الإجباري وجبي الضرائب؛ سوى دلائل تفيد بمدى تصاعد موجة الإرهاب في الأرستقراطية الإسلامية. لقد كان الإرهاب العثماني فتّاكاً ومجحفاً، بقدر الاعتداءات الخارجية، بأقل تقدير.

إلى جانب ذلك، يُشكِّل قتل أولياء العهد الأشقاء، وإعدام الصدر الأعظم، عمليات إرهابية متفشية. جلي تماماً أن الإرهاب تفشى وطُبِّق بترهيب فظيع في قلاووز (دليل) السُّنّة، الذي يُعتَبَر التفسير الرسمي للإسلام في عهد العثمانيين. هذا وقد مورست أسفار الإرهاب الدائمة على العشائر التركمانية الجبلية أيضاً.

تمر كردستان بمرحلة مشحونة في غالبيتها بالتمردات والممارسات القمعية، اعتباراً من بدايات أعوام 1800 وحتى انهيار الإمبراطورية. أي أن القرن التاسع عشر مر من بدايته وحتى نهايته بالتمردات والقمع. وبتأثير من المبشرين الإنكليز والفرنسيين، تتزايد أسفار القمع والتنكيل في هذا القرن على السريانيين والأرمن الذين ساءت علاقاتهم مع الإمبراطورية. ومع نهايات القرن التاسع عشر وحلول بدايات القرن العشرين، يكاد هذان الشعبان الأقدم في التاريخ يُمحَيان من على وجه البسيطة. وتبدأ النعرات القوموية المؤجَّجة على يد الرأسمالية، بإعطاء ثمارها السامّة رويداً رويداً. ويعود عدم تعرض الكرد للعاقبة الوخيمة عينها، إلى اختلاف الدين، وإلى مقاوماتهم الشاملة.

لقد خلَّفت الاشتباكات والصراعات الدينية والمذهبية السائدة في العصور الوسطى آثاراً تخريبية، تماثل في حِدّتها ما خلَّفته الاشتباكات والحروب المندلعة في العصور الأولى، بأقل تقدير. وجلي استحالة تطور الحضرنة في كردستان، بدافع من تلك الاشتباكات والحروب. أما الإثنية الساعية لصون وجودها في أجواف الجبال على الدوام من جهة، وبُنى المدن التي غدت مقراً للاستيلاء والغزو والاحتلال من جهة أخرى؛ فلم تكونا في وضعية تخولهما لبلوغ مستوى العلاقات الجدلية. وكاد كل قسم منهما يغرق في تخلفه وعزلته المفروضة عليه.

يتميز صون الشعب الكردي وجوده بقيمة عليا وثمينة في أوساط الصراع والحرب والإرهاب التي عمت أرجاء كردستان، والتي ابتدأت بالصراعات ذات الطابع الاجتماعي في العهد النيوليتي؛ وتصاعدت مع حروب العبودية في العصور الأولى، لتتكاثف على الدوام مع الحروب والعمليات الإرهابية الإقطاعية في العصور الوسطى. تعد المقاومة الإثنية، ورغم كل قصورها وثغراتها، العامل الأولي المحافظ على وجود الكرد في غضون هذه المرحلة التاريخية القاسية والمجحفة؛ وإنْ لم تكن بقدر تلك التي تبرز في ظل الحضارات القوية والتقدمية.

تجزأت كردستان مرة أخرى، وأُقحِمَت في أجواء العنف، بعد تشتت الإمبراطورية العثمانية. حيث سادت – أو بالأحرى فُرِضَت – هيمنة جمهورية تركيا وشاهنشاهية إيران ومونارشية العراق والإدارة السورية – الفرنسية على كردستان؛ بموجب خريطة الشرق الأوسط التي خَطَّت حدودَها كل من إنكلترا وفرنسا المتصاعدتان كقوة إمبريالية واستعمارية حديثة. وتكاثَفَ الإرهاب وتفشى أكثر، مع اندلاع شرارة الحركات التمردية المحدودة المعتمدة على الإثارات والتحريضات بالأرجح؛ والنابعة من التطلع إلى الحكم الذاتي القديم من قِبَل الشريحة الكردية العليا المتواطئة، التي ضاق الخناق على منافعها أكثر فأكثر في ظل الأنظمة الجديدة.

لقد كانت الانتفاضات بعيدة عن أن تنادي بالمطاليب الوطنية والديمقراطية. بل كانت صراعاً شنته الشريحة الإقطاعية الكردية، والمتحسرة لأيامها الامتيازية الماضية؛ وذلك بغرض المطالبة بحصتها من النظم الجديدة. لكن ما رسخته هذه النظم الجديدة المعتمدة على الرأسمالية والمتأثرة بالأيديولوجية القوموية، في تعصبها للقوم الواحد واللغة الواحدة والدولة المركزية الواحدة؛ كان نصيب الكرد منه هو تعريضه للإنكار بشكل أنكى وأسوأ من السابق، وللقمع والكبت المستمرين، وتركه يتخبط في ظلمات العصور الوسطى، بإقامة المجازر وممارسة الصهر الإرغامي عليه. لقد أُدخِل الكرد في مِكبَس مطوِّق، بكل ما للكلمة من معنى. بالإمكان القول أن الكرد كانوا الشعب والإثنية والكيان الظاهراتي المتعرض لأكثف أنواع إرهاب القوموية الشوفينية في العالم. من أقبح وجوه القرن العشرين هو ذاك الوضع الذي مر به الكرد وعايشوه، من حيث تركهم يتخبطون في التخلف الإقطاعي على يد خونتهم المتواطئين، وعجزهم عن إعطاء أي معنى للحركات القومية الديمقراطية المعاصرة.

كانت السياسة التي مارستها تركيا على كردستان التي تحت هيمنتها، تسمى رسمياً بـ"حركة السيل الجارف". حيث ساد القبول بمدى "جودة" مضغ وسحق كل مكان تمر عليه. كان ذلك محمَّلاً بالآلام الناجمة عن ضياع الإمبراطورية أيضاً. لذا، كان لا بد من إتْباع الأجزاء المتبقية بصهر مطلق. فحتى حظر اللغة الكردية الأم طُبِّق في نظام 12 أيلول، بما لا مثيل له في أي نظام أو أي بقعة من العالم. كما دُثِّرت جميع القيم الاجتماعية، وكل ما يمكنه أن يعكس الروح الكردياتية، بغطاء أسود داكن، إضافة إلى نشوب الصراعات الاجتماعية المعاشة على مر آلاف السنين، والحروب الاستيلائية والاحتلالية والاستيطانية الفتاكة والمجحفة. لا يمكن كشف الوجه الحقيقي للحقائق المخفية، إلا بالمساعي والجهود الدؤوبة والمُرَكَّزة جداً لعلم الاجتماع والآداب، بشأن حياة الكرد في ظل الوضع القائم لجمهورية تركيا.

لم تكن الممارسات التي طبقتها الشاهنشاهية البهلوية المتصاعدة كسلالة إمبراطورية حديثة في إيران، مختلفة عن تلك التي في تركيا الجمهورية. حيث تم القضاء، وبكل سهولة، على التحركات الكردية المتكررة، بدءاً من انتفاضة "سمكو اسماعيل" وحتى تجربة جمهورية مهاباد الكردية؛ وذلك لأسباب أيديولوجية وطبقية مشابهة. بذلك سادت الاتجاهات الفاشية والقوموية الخاصة بالقرن العشرين، مع تطبيق نظام إرهابي مكثف. أما ممارسات كل من إنكلترا وفرنسا على كردستان العراق وسوريا، فكانت على شاكلة بسط نفوذ نفس النظام القمعي والاستعماري، بالاعتماد على السلالات العربية المتواطئة.

أما السياسة الممارسة في الظاهرة الكردية خلال القرن العشرين، فكانت بنحو لا مثيل له – حقاً – في أي بقعة من العالم. حيث تتمثل في "الحبس في القفص، والوصول بها إلى حالة الحيوان المدجَّن". إذ ما من إشارة تدل على اعتبار الكرد من البشر، كظاهرة اجتماعية. حتى السياسات الاستعمارية المطبقة على أفريقيا وُجِدَت أنها كثيرة على الكرد. بل وحتى الأشكال الإثنية والقومية والاستعمارية القمعية المعاصرة للسياسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وحتى العسكرية؛ وُجِدَت أنها – هي أيضاً – كثيرة على الكرد، فلم تُطَبَّق. في الحقيقة، يتمثل أحد أخطر الأشكال الفاشية في مفهوم الإنكار والدحض الذي يفيد بالتالي: "سيتم قبولك بقدر ما تكون منتمياً للقومية والمذهب الحاكمَين، وبقدر إنكاركَ ذاتك". (وما قول رئيس الوزراء الجديد رجب طيب أردوغان: "إذا لم تَعتَبِر نفسَكَ كردياً، فلن تكون هناك مشكلة كردية"، في حقيقته سوى قول استظهاري محفوظ عن ظهر قلب، من صُلْب حقيقة الدولة الخفية). إن شكل الإرهاب والإنكار خفي ومبهم ومظلم. إذاً، سيكون في محله تسمية ما يطبَّق  على الكرد بـ"الإرهاب الأسود".

يتم اقتفاء أثر سياسة خطيرة ومتناقضة في كردستان والمنطقة التي انفتحت جيداً للتأثيرات الأمريكية في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. إذ من المستحيل التفكير في الفيدرالية الكردية من جانب، والتصفية المطبَّقة على PKK وعلى الكرد القاطنين في أكبر أجزاء كردستان في تركيا (الحرب الدائرة ونتائجها) من جانب آخر؛ من دون ربطها بالتأكيد بأمريكا والاتحاد الأوروبي. حيث يمكن التلاعب بكردستان وجوارها بشكل أنكى مما هو عليه في اللعبة الفلسطينية – الإسرائيلية. بالمقدور إضافة صفة "الرعب المدهش" لسياسة الصراع والحرب والإرهاب المسيَّرة. إذ لا يمكن العثور في أي مرحلة من مراحل التاريخ، ولا في أي زاوية من العالم، على مثيل لما هو جارٍ من سياسات تبلغ مستوى الترعيب والتفزيع كهذه؛ ومن ثم ربط كل شيء بتلك السياسات، وتحديدها بالاعتماد على أكثر أنواع العنف تخطيطاً ومكراً وخبثاً.

عليَّ التنويه مباشرة إلى أن العمل على إيضاح هذه السياسات الحربية بإرجاعها إلى الاستعمار القومي التركي والعربي والفارسي، وإلى الإنكار والإبادة (مثلما كنا نفعل في الماضي)؛ سيقودنا إلى نتائج بالغة النقصان والمغالطة. فالظاهرة منوطة بأنظمة تاريخية واجتماعية أكثر شمولية بكثير. وبنفس الشاكلة، فالقول بأن الدول التركية والعربية والفارسية هي المسؤولة عن الممارسات المطبَّقة في كردستان؛ سيكون تجريدياً وإسقاطياً بعيداً عن إيضاح الكيان الحقيقي للظاهرة. إذ لا يوجد في الميدان مصالح ودول قومية تركية أو عربية أو فارسية كما يُظَن. الدولة القومية بذاتها مجرد صفة، وتعريف أيديولوجي؛ وليست الحقيقة بعينها. حيث لا وجود لدولة القوميات. بل وحتى بالمعنى الضيق أيضاً، لا وجود لدولة الطبقات. إن الدولة تقاليد عمَّرت طيلة خمس آلاف سنة على الأقل. تدحرجت وتدحرجت كالكرة الثلجية والكرة النارية حتى وصلت يومنا هذا، فانقسمت إلى عدة أجزاء. استخدمتها بعض الإثنيات بنسبة مرتفعة، وبعضها الآخر بنسبة منخفضة. والمستخدِمة إياها لا تمثل جميع الإثنيات، بل هي بضعة مجموعات هرمية وطبقية

سيكون علم الاجتماع بذاته الحل الأمثل والأهم الذي سنلجأ إليه في سبيل كشف النقاب عن هذه الدوامة العقيمة الشنيعة، وعن تلك الألاعيب السحرية المكتنفة بالألغاز والأسرار. لكنني هنا أتكلم عن علم الاجتماع الحق، عن علم الاجتماع المحلِّل والمفكِّك للسلطة، وما ينم عنها من حروب وبنى اجتماعية. وإلا، فأنا لا أتحدث عن ذاك "العلم التشريحي"، الذي لا يرى الكل المتكامل، ولا يشاهد الروح والحياة، ولا يأبه بالحب والود والتقدير؛ ولا عن ذاك "العلم القَدَري" للرهبان السومريين، الذي يعتمد على حركات النجوم.

تتجسد مساهماتي في إسدال الستار عن هذا العلم، وسعيي لإحراز تطور معين في تقربه من الحقيقة. هل القوموية علم؟ هل النعرة الدينية علم؟ هل الاشتراكية علم؟ هل الليبرالية علم؟ هل الاتجاهات المحافظة التعصبية علم؟ لربما كانت جميعها وثنية أكثر تخلفاً من تلك الوثنية السائدة في العصور الوسطى، والتي عفا عليها الزمان. ذلك أن أضرار تلك الوثنيات الماضية كانت محدودة للغاية. لكن، هل ثمة حدود للأضرار التي تتسبب بها وثنية المصطلحات الفسيحة التي لا نهاية لها؟

طالما أُصِرُّ على التنويه إلى الأضرار الجسيمة التي ستلحق بكل دولة أو مجموعة اجتماعية أو سياسية معنية بالقضية الكردية أو منهمكة فيها؛ ما لم تقم بالتحليل الصحيح لحقيقة السلطة والحرب التي تعتمد عليها في واقع كردستان. لربما سيكون هذا أفضل أساليب التقرب المفعمة بالمعاني، في سبيل إعادة الأطرافِ المعنية النظرَ في ذاتها مرة ثانية، وتخليها عن ارتكاب الأخطاء والنواقص الكبرى، وعن اقتراف الطيش الجنوني. كذلك في سبيل وصولها إلى صياغة العديد العديد من الحلول الإنسانية الممكنة التطبيق. أظن أن حروب القرن العشرين أكدت صحة الزعم بأن كل أنواع التقربات القوموية والدينية واليسارية (سواء كانت باسم الساحق أو المسحوق، باسم المستعمِر أو المستعمَر) المعتمدة على التعصب؛ لا يمكن أن تشكل الحلول المرتقبة. لقد أكدَت صحة ذلك بعد أن دفعت فاتورته غالياً، لِما تكبدته البشرية من آلام أليمة وخسائر فادحة.

ومثلما بالإمكان الفهم من مخططنا التاريخي المطروح بخطوطه العريضة؛ تتميز الصراعات والشجارات والحروب وممارسات الإرهاب المطبَّقة في كردستان بكونها تشكل حلفاً سلطوياً خاصاً بها. حيث يعمل هذا الحلف السلطوي المعتمد على القوة العسكرية والحروب – التي تكثِّف من شيوعها وانتشارها في كل النظم الأساسية وتحقق تواصلها – على عجن كل نسيج من أنسجة المجتمع، ومن ثم إعطائه الشكل المراد له. إذ لا يوجد في الوسط ما يمكن أن نسميه بالمجتمع الكردي أو القومية الكردية المتميزة ببنيتها المتشكلة بديناميكياتها الذاتية الخاصة بها. إنها تحدِّد تقاليد العنف المتبقية – حقيقةً – من عهد النبي نوح، والمتسلطة المعبِّرة عنها على الصعيد المؤسساتي. حيث لم يتبقَّ في المجتمع ولو نسيج واحد فقط، إلا وحددته وتدخلت فيه وسائل العنف تلك، والتي تبحث عن المشروعية والواقعية لنفسها، بتقمصها الأغطية الميثولوجية والقصصية في زمن من الأزمان، ومن ثم قيل بأنها الدين الأسمى؛ ولدى وصولنا إلى عصرنا، تبدت في شكل نعرات قوموية واشتراكية باسم الشعب والطبقة. تنبع القضية الكردية الأصلية من هذه الظواهر التي عايشتها. والقضية الكردية بذاتها عقدة كأداء من المشاكل المتراكمة والمتكدسة، بسبب طراز تكونها.

الجانب المؤلم والوخيم في الأمر، هو افتقار هذه الظاهرة لقدرتها على حل المشكلة بنسبة كبرى. فالظاهرة تختنق من ماهية مشكلاتها. يجب التكلم هنا عن أنسجة المجتمع الكردي الأشبه بالخلايا السرطانية. ألا يقال بأن دود الشجر من الشجر. هكذا، فالهوية الكردية وأشخاصها واقفون في الوسط متكدسون بحشود غفيرة. لننظر إليهم بدءاً من اللغة الكردية وحتى الحزب الكردي (هذا إنْ وُجِد)، ومن المرأة الكردية إلى الزعماء الكرد (المدعين بأنهم مشهورون ومعتَرَف بهم)، من القروي إلى المديني، من المتنور إلى المعلم، من الدين إلى القوموية، من الوطني إلى الخائن، ومن الديبلوماسي إلى السياسي؛ كم هو عدد الذين لا يتحكمون بألِف باء الأمور من أولئك البائسين، المزيفين، الماكرين، الخونة، الفظيعين؛ وكذلك من أولئك الجيدين، الجميلين، والصائبين؟ إنه سؤال يعسر الجزم به. مَن المسؤول؟ المسؤول هو أجزاء السلطة الموجودة, والمتشكلة على مر التاريخ؛ والتي لا يمكن الجزم حقاً بمدى خدمتها لأيٍّ كان، وما مقدار تلك الخدمة، وكيف قامت بها؟ في المحصلة؛ فالمسؤول هو أجهزة العنف التي تعمل على الحفاظ على أجزاء السلطة تلك في الماضي والحاضر؛ وكذلك كافة أشكال الحروب والإرهاب. هؤلاء هم الذين يحدِّدون ظاهرة المجتمع الكردي، ويُبقون عليها في حالتها القائمة. إنهم هم المسؤولون عنها.

وعلى النقيض من ذلك، فلدى إبداء المقاومة تجاه تلك الأجهزة بالانتفاضات والحرب الأنصارية وغيرها من الأساليب المشابهة – إنها لم تتطور بعد، ولكن إذا ما تطورت – فما يظهر حينئذ في الميدان هو ضرب من الاشتباكات والصراعات التي تخلِّف الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وراءها في حِدَّتها. لكن، أيٌّ من المشاكل الاجتماعية يمكن حلها والتوجه بها نحو الأفضل والأجمل، بنموذج كهذا، أياً كان اسم الأطراف المعنية فيه؟ إذ، ليس واقعياً إخماد النار بالنار. إذن، والحال هذه، فمن الأصح أن تتخلى أجنحة السلطة القتالية عن أساليبها المتبعة في حل المشاكل الاجتماعية. يجب إدراج أجهزة المقاوِمين أيضاً في ذلك. إذ من الضروري البحث عن الأسلوب في مكان آخر وبشكل آخر.

يجب عدم انتظار أساليب حل التعريات الكبرى الموجودة في الظاهرة الكردية، من أجهزة الحرب (خاصة قوى السلطة المستفردة بالعنف المهيمن في قبضة يدها). أظن أن أول ما يجب القيام به هو أن تترك القوةُ المهيمنة الأجهزةَ العسكرية جانباً بشكل تام، وتَرُّدُّ بنفس الأساليب التي يسلكها الطرف المقابل، في حال كان هذا الأخير لا يعزم على فرض شيء ما عنوة، بل يتخذ من الطراز السياسي والسلمي الديمقراطي للحل أساساً، بحيث يُسنِد صدقه وحميميته في ذلك إلى أسباب مُقْنِعة. بقدر ما يكون ترك النقاش وسبل الحل لوسائل الحوار الديمقراطية المدنية سلوكاً إنسانياً، فهو في نفس الوقت في صالح الأغلبية الساحقة من المجتمع، وفي صالح الاقتصاد أيضاً.