Kurdî  |  Tirkî

عقلُ الرجل عقلُ ألفِ حيلةٍ وحيلة

آذار القائد الموقعلاريب في أن البحوث الفامينية تُقَدِّم مساهماتها العامة في إظهار حقيقة المرأة إلى النور مع المستجدات الظاهرة حديثاً. لكني على قناعةٍ بأن نسبة كبرى من هذه النشاطات تُسَيَّر في ظروفِ سيادةِ العقل الرجولي. إنها إصلاحية زيادةً عن اللزوم. إن تناول الموضوع بكل جذريته يتسم بأهمية حياتية.

تُسَلِّط البحوثُ البيولوجيةُ الضوءَ على الدور الجذري للمرأة ضمن النوعِ البشري. والمنقطع عن الجذع الأصلي هو الرجل، لا المرأة. فعاطفية المرأة تتأتى من عدم انحرافها المفرط عن جدلية التكوين الكوني. ونخص بالذكر الإبقاءَ عليها في المنزلة السفلى ضمن سياق المدنية، والذي أثَّر في تَحَلِّيها ببنيتها هذه، وصونها إياها إلى يومنا الراهن. أما عقل المرأة المفعم بالعواطف والمشاعر، فيُرادُ عكسه دائماً على أنه "ناقص"، وأنه بالذات طابع المرأة. لقد سَيَّر العقل الرجولي عدة حملاتٍ تمشيطية كبرى على المرأة، ولا يزال.

أولها؛ تصييرها أول عبدٍ منزلي له. وهذه المرحلة مشحونة بحركاتِ ومجازرِ امتصاصٍ وقمعٍ واعتداء واغتصابٍ مُرَوِّعة. ودورها المعتَرَف به مجرد إنتاج "النسل والذُّرِّية" لنظام المُلكِية قدر الحاجة. فأيديولوجية السلالة مرتبطة بوثوقٍ بليغ بهذه الذُّرِّية. والمرأة ضمن هذا الوضع مُلكٌ مطلق. إنها مُلكُ وشرفُ صاحبها، لدرجةِ استحالةِ الكشفِ عن وجهها لغيره.

ثانيها؛ إنها أداةٌ جنسية. الجنس معني بالتناسل في الطبيعة بأكملها، حيث يهدف لاستمرار الحياة. في حين أنه لدى الإنسان الرجل اعتُرِفَ بالدور الأصلي للجنس، ولانفجار الشهوات الجنسية وتطورها بشكلٍ منحرف؛ وخاصة بالتزامن مع أَسْرِ المرأة، وبشكل أخص وأثقل وطأة مع مرحلة المدنية. فمراحل الجِماع المحدودة جداً لدى الحيوانات (غالباً ما تكون سنوية)، يُرادُ تصعيدها لدى الإنسان الرجل لدرجةِ ممارستها طيلة أربع وعشرين ساعة في اليوم تقريباً. المرأة في راهننا هي الأداة التي يُجَرَّب عليها الجنس والشهوات الجنسية والسلطة الجنسية بشكل دائم، بحيث غدا الفصل بين البيوت العامة (الماخور) والخاصة فاقداً معناه. فكل مكان بات بيتاً عاماً وخاصاً، وكل امرأة باتت امرأة عامةً وخاصة.

ثالثها؛ إنها كادح بلا أُجرة أو مقابل. ويُفرَض عليها تنفيذ أصعب الأعمال. أما مَقابل ذلك، فهو الإرغام على أن تكون "ناقصة" أكثر قليلاً. لقد حُطَّ من شأنها لدرجةٍ باتت هي نفسُها تقبل فعلاً أنها "ناقصة" جداً نسبةً للرجل، فشرعت بالتشبث بِيَدِ الرجل وسيادته، وتعض عليها بالنواجذ.

رابعها؛ إنها أدق أنواع السلع. يقول ماركس في المال "إنه مَلِكَةُ السلع". في الحقيقة، إن هذا الدور معني بالمرأة أكثر. أي أن المَلِكَةُ الحقيقية للسلع هي المرأة. إذ، ما من علاقةٍ لا تُعرَض فيها المرأة. وما من ميدانٍ لا تُستَخدَم أو تُستَثمَر فيه المرأة. اللهم إلا بشرطٍ وحيد، ألا وهو أنه، ورغم وجودِ ثمنٍ مُصادَقٍ عليه مقابل كل سلعة، فهو لدى المرأة عبارة عن قلةِ احترامٍ مُهَوِّلة، بدءاً من وقاحةِ "عشقٍ" فظيع، وصولاً إلى كذبةِ "كدح الأمهات لا يُعَوَّض".

وعقلُ الرجل (عقلُ ألفِ حيلةٍ وحيلة، عقل الكذب، ووحشية الحرب، والانحراف الأيديولوجي، وباختصار، العقلُ المدمِّر للمجتمع وبيئته، والعقلُ التحليلي الذي لا يُصدِر صوتاً عدا صوتَ الصفيحة التنكية)، ما الذي لا يستطيع فِعلَه حيال المجتمع البشري وبيئته، بعدما صَيَّرَته المدنية وحشاً شرساً، وارتأى هذه المعاملةَ مناسِبةً للمرأة التي باتت لا تقدر العيشَ بدونه! إن إيقاف هذا العقل غير ممكن، إلا بِوَضعِ الأخلاق الاجتماعية والسياسة التي دمَّرَها في مكانها المناسب أولاً. أو بالأحرى، لا يمكن أن تَكُون البداية، إلا بالتأسيس على ذلك. وبسببِ الدورِ الذي تَكَفَّل به العقل التحليلي بأبعاده تلك وحسب، تنتصب أمامنا أهميةُ تطويرِ نظام الحضارة الديمقراطية تجاه نُظُم المدنية، كَمَهَمَّةٍ تتسم بكلِّ حِدَّتِها. إنّ إيلاءَ القيمة الكبرى للعقل هو الأصل. والعقل الاجتماعي حقيقةٌ واقعة. فالمجتمع ذاته عبارة عن الساحةِ التي يتكاثفُ فيها العقل. لذا، لا معنى لليأس بتاتاً. ثمة صوتٌ آخر منبثقٌ من كافة المقدسات، ويقول "لقد منحناكم العقل، وما عليكم سوى استخدامه في سبيل الخير، لا الشر. حينها، ستحظون بكلِّ ما أنتم بحاجةٍ إليه!". علينا – فعلاً – العملَ بهذا الصوت، واستيعابَه. وصوتُ الضمير المسمى بِفِطرةِ المجتمع السليمة، وصوتُ الأخلاق التي لا غنى عنها أيضاً هكذا يقولان. والصوت الساعي لتلبيةِ متطلباتِ نشرِ صدى فنِّ الحرية المسماة بالسياسة الاجتماعية هكذا يقول. نشاطات المجتمع الديمقراطي هي الممارسةُ العملية لهذا الصوت. بينما نظامُ الحضارة الديمقراطية هو نظريةُ هذا الصوت.

وبالأرجح، ستَكُون الفصولُ اللاحقة بعد الآن بهدفِ الغوص في المصادر الملموسة لهذه الأصوات (الأصوات المنبثقة من تعاوُنِ العقلَين التحليلي والعاطفي)، وتسليط الضوء على سبل الحل التي تُظهِرها.

أما عبودية المرأة، والتي تمتد بجذورها إلى الماضي الأقدم، أي إلى العهد الهرمي الأول؛ فباتت موضوع الحياة الأشمل على الإطلاق. لقد أُنشِئَت النظم الإلهية ذات الهيمنة الرجولية، وكأنها تنتقم من المجتمع النيوليتي الأمومي، مجتمع الأم المقدسة. وبيبنما تَفقُدُ ألوهيةُ المرأة آثارَها رويداً رويداً، فقد بدأَ عهدُ الحاكمية المذهلة للآلهة ذات التصور الرجولي. ومنذ ذاك الوقت دُفِعَت المرأة عنوةً صوب الفحوش، وأُغلِق عليها الباب، سواء في جميع المعابد، أو في بيوت الدعارة العادية.

أَسْرُ المرأة تعمق لأقصى حد. حيث لم تُحَمَّل المرأة عبءَ إنجاب الأطفال في المنزل وخدمة الرجل بأثقل أحمال العبودية وحسب، بل وانخراطها في حقول السياسة والرياضة والعلم والإدارة بات محظوراً. ودُفِعَت للعمل الدؤوب في جميع الأعمال الإنتاجية الشاقة. وأفلاطون يرى أن الحياة مع المرأة تَكدِم وتُقَلِّلُ من أصالة الرجل. ولهذا السبب استفحلت ظاهرة اللواط. هذا وتفاقمت العبودية كالتيهور خارج إطار المرأة أيضاً، حيث لأول مرة ظهر للوسط حشدٌ ضخم من العبيد العاطلين عن العمل. وأوجِدَت مؤسسة تجنيد المرتزقة. لم تُصادَر البضائع فقط، بل وصودِرَ العبيد أيضاً إلى كافة الأصقاع. ومقابل ذلك، ابتُدِعَت طبقةٌ من الأسياد الأكثر تطفلاً، لِتَكتَسِب مصطلح الأرستقراطية. هكذا عَجَّ الميدان الاجتماعي بالعناصر الاجتماعية الطفيلية. إن الشرائح الأقرب إلى الطبقة البورجوازية، هي منتوجُ المدنية الإغريقية. باقتضاب، ومثلما أُضِيفَت القضايا الجديدة إلى الموجودة منها في الحقل الاجتماعي، فإن القديمة منها استمرت متفاقمة أكثر.

لقد تم بلوغ العظمة في التطور المديني، حيث اتسمت المدينة ببناءٍ عضويّ. لكن هذه التطورات أُنجِزَت على حسابِ إثقالِ عبء القضية الاجتماعية. وكأن بناء الزقورات والأهرامات فُصِل إلى أجزاءٍ كثيرة، وتَكَرَّر ثانيةً بأبعادٍ ضخمة. فكيفما أن مرحلة المدينة الأولى تَكَوَّنَت بالذات من بنية المعبد ومَرافِقِه، وأن المرحلة الثانية يتم تجسيدها بالقلاع الداخلية والأسوار الأولى والثانية التي تَحُفُّ بها؛ فقد أُزيلَت هذه الفوارق في المرحلة الثالثة، لِتُضافَ إليها مَرافِقُ جديدة، وتُحَقِّقَ بذلك الاتساعَ في المكان والعظمةَ في الشكل. إنه تطورٌ يتماشى مع تعاظُمِ الاحتكار. لكن القضايا لا تُحَلُّ به، بل وتتفاقم أكثر. فجيش العبيد يضاهي سابقِه أضعافاً مضاعفة. علاوةً على أنه تَشَكَّل العبيد العاطلون عن العمل. ولأول مرة يرى البشر أنفسَهم بلا فائدةٍ أو شأن. لا يمكن للقضية الاجتماعية أن تكون أثقل من ذلك وطأة. فالنظام المُوَلِّد للعاطلين عن العمل، هو النظام الأكثر جُوراً وطغياناً. بالإمكان ملاحظة تضخماتٍ مشابهة في أجهزة السلطة والدولة أيضاً. فالسلطة قد عَظَّمَت من احتلالِها لِيَمتَدَّ من أعلى المستويات إلى أسفلها. والدولة ضَيَّقَت الخناق على السياسة، لتُسَجِّل زيادةً في السيطرة والتحكم بالمجتمع. وأرستقراطية الدولة قد تَشَكَّلَت. والطبقة العسكرية وَطَّدَت امتيازاتها. حيث يُشاهَد ازدياد سيادةِ السلطة في عموم البنية الاجتماعية، سواء على النساء والأطفال والشباب، أو على العبيد والقرويين والحِرَفِيّين. إن الجانب الأكثر إيلاماً في ديمقراطية أثينا، هو أنها بَسَطَت للعيان وبكل علانية نفاذَ السياسة حيال الدولة. وكأن التقاليد الاجتماعية الديمقراطية التَقَطَت آخِرَ أنفاسِها على يد الأرستقراطيين في مثال أثينا. وربما أن هذا هو العبرةُ الأهم التي سنستنبطها من ديمقراطية أثينا.

احتكار المدنية الرومانية (750 ق.م – 500 م) هو استمرارٌ لتقاليد المدنية الإغريقية – الإيونية ضمن إطارِ تكامُلِها الداخلي. وكأنهما مثالان منقولان من شبهِ جزيرةٍ إلى أخرى. الأمر الأهم الممكن قوله، هو أنه إذا كان الإغريق يمثلون مرحلة الطفولة والمراهقة لهذه المدنية، فروما هي مرحلة النضوج والشيخوخة فيها. لقد عَرِفوا كيف يَتَقَبَّلون ما انتهلوه من الشرق بجمعِه في تركيبةٍ جديدة تُحَقِّقُ التفوق على الشرق لأول مرة. وانتصار روما يكمن في ضمِّ قسمٍ من أوروبا إلى المدنية مَقابل احتلاله واستيطانه بكل تعسف. وفيما عدا ذلك، فروما من جميع النواحي ليست سوى الحال المتعاظمة بإفراط للمقاييس الإغريقية. فقد اكتَسَبَت أبعاداً عملاقة على صعيد المدينة والطبقة والسلطة. وانتقلت من المَلَكِيّة إلى الجمهورية الأرستقراطية، ومنها إلى أعظم وأوسع إمبراطورية شهدها التاريخ. وباتت الحياة على نمطِ روما نموذجاً شائعاً في كل الأرجاء. وأرستقراطيتها هي القوة المُعَيِّنة للعصرية، مثلما هي حال حداثة (بورجوازية) راهننا. أما الأرستقراطية الطفيلية، والبروليتاريا الحثالة؛ فهما رمز القضايا المستفحلة بشدة في روما.. فالمرأة دائماً تلعب دوراً هاماً في تاريخ العبريين. وتتكون قبيلة عبرية في مصر أيضاً، ولكن من أشباه العبيد. وهم مستاءون كثيراً من ذلك. وكأن فرعون قام مقام نمرود. لذا، فهم يسعون للخلاص منه أيضاً. وموسى هو الذي سيترأس الهجرة هذه المرة. التوقيت حوالي 1300 ق.م. يَنُصُّ الكتاب المقدس على الخروج مليئاً بالمعجزات. إنه شبيه بخروج إبراهيم. والعودة مرةً أخرى إلى أرضِ كنعان. فحسب مصر، كنعان بمثابة "الجنة الموعودة". والإله الذي يبحثون عنه، ينادي القبيلة بالوصايا العشر بنحوٍ ملموسٍ وقاطع في جبل سيناء. في الحقيقة، الوصايا العشر ليست سوى مبادئ التنظيم ومنهاجها السياسي الذي اكتَسَبَته القبيلة بعد خبرةٍ طويلة. إنه يعني التَخَلِّي حاسم للقبيلة عن أديان نمرود وفرعون، وتأسيس دينها الأثني الخاص بها (وجهة نظرها ومنهاجها العالمي). ويَسرُدُ الكتاب المقدس المراحل اللاحقة مطوَّلاً بصوتٍ إلهيّ. ما هو مبسوط أمامنا لم يَعُد الأقاصيصَ الميثولوجيةَ مثلما في سومر ومصر، بل القواعدُ الدينيةُ كحقائق مطلقة (الأرثوذوكسية).

هذا الوضع يعني الثورة العظمى في تاريخ الأديان، ويفيد بالثورة الفكرية الكبرى لذاك العهد. والبحوث تشير إلى أن التقاليد الإبراهيمية إحدى مصادر الذاكرة الأكثر رقياً في الشرق الأوسط. أما قناعتي الشخصية، فتتجسد في أن العبرانيين حَوَّلوا الميثولوجيا السومرية والمصرية جوهرياً إلى "اصطلاحات" (علم البلاغة) في هيئةِ "دين". وأنهم طَوَّروا الكتاب المقدس (التوراة) باستمرار طيلة السياق التاريخي، بالإضافات التي قاموا بها على تلك الاصطلاحات من المنابع الزرادشتية والبابلية (وبالأخص في عهد السبي عام 596 ق.م) والفينيقية والهورية والإغريقية أيضاً. ينبغي عدم النسيان أن أولَ إعدادٍ للكتاب المقدس حصل في فترة 700 – 600 ق.م. ولم يَكُ ثمة أي مصدر مدوَّن قبلها.

عليَّ تبيانَ الأمر التالي بأهمية: لا يُراكِم اليهودُ المالَ ورأسَ المالِ فقط على مر التاريخ. بل ويُراكِمون الأيديولوجيا والعلم – المعرفة أيضاً بكل شجاعةٍ وهِمَّة. ويُحَوِّلون ضعفَهم العددي إلى قوة على الصعيد العالمي عبر هذَين التراكُمَين الاستراتيجيَّين. فالأثنية اليهودية (القبيلة سابقاً، والأُمّة راهناً) نجحت بشكلٍ باهر في التشبث بمستوى حياةٍ متفوقةٍ للغاية بالبقاء دائماً على حافةِ السلطة وفي مواقعها الاستراتيجية بفضل هذَين التراكمَين، ليس في يومنا وحسب، بل وطيلة التاريخ أيضاً. إلا أن ما حَلَّ بها من كوارث وقضايا مُهَوِّلة، إنما مرتبط أيضاً وبكثب بهذه الحقائق الواقعة. لا شك أنه إذا ما نَظَرنا إلى رأس المال والمعرفة على أنهما احتكار القوة والسلطة، وأن السلطة أيضاً هي احتكار رأس المال والمعرفة، وإذا ما اتَّبَعنا هذه الطريقة دائماً في قراءة التاريخ والحاضر؛ فسوف يتم فهم القضية الاجتماعية بنحوٍ أسطع وأكثر واقعية. إني أفحص وأُحَقِّقُ هنا بإيجاز في الكيفية التي أسفرَت بها الأديانُ الإبراهيمية عن القضايا التاريخية – الاجتماعية الأكثر تعقيداً، نظراً لأننا سنبحث في فصل الحضارة الديمقراطية بالأكثر في مدى كونها حَلاّلة على دربِ حل قضايا المجتمع التاريخية المتعاظمة.إن النظر إلى المرأة بأنها جنسٌ بشريٌّ له فوارقه البيولوجية، يتصدر العواملَ الأساسية للعَمى فيما يخص الواقع الاجتماعي. إذ من المحال أن يَكُون الاختلاف الجنسي بمفرده سبباً لأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ كانت. فكيفما لا يتم تناول ثنائيةَ كلِّ ذَرَّةٍ لأيِّ كائنٍ حي في الكون على أنها معضِلة، كذا الثنائيةُ في وجودِ الإنسان أيضاً لا يمكن تعاطيها كقضية. أما الجواب على سؤال "لماذا الوجودُ ثنائيّ؟"، فلا يمكن إلا أن يكون فلسفياً. قد تبحث التحليلات الأونطولوجية (علم الوجود) عن جوابٍ لهذا السؤال (وليس القضية). أما جوابي، كالتالي: لا يمكن تأمين وجود الوجود خارج إطار الثنائية. الثنائية هي النمط الممكن للوجود. فحتى لو لم يَكن المرأة والرجل بحالِهما الحالية، وكانا منفردَين (لا قرينَ لهما)؛ فلن يستطيعا الخلاص من تلك الثنائية. وهذا هو الحدث المسمى بالجنسانية المزدوجة (الخنثى). ينبغي عدم الاستغراب. ولكن الثنائيات مَيَّالةٌ دوماً للتَكَوُّنِ المختلف. والبرهان الذي سيتم البحث عنه فيما يتعلق بالذكاء الكوني المطلق (Geist)، بالمقدور البحث عنه أساساً في ميول هذه الثنائية. كِلا طَرَفَي الثنائية ليسا جيدَين أو سيئَين. بل هما مختلفان، لا غير. ويجب أن يكونا مختلفَين بالضرورة. فإذا ما تماثلت الثنائيات، من المحال تَحَقُّق الوجود. وعلى سبيل المثال، من المستحيل عندئذٍ حل قضية التناسل في الوجود الاجتماعي من خلال امرأتَين أو رَجُلَين. تأسيساً عليه، فسؤالُ "لماذا المرأة أو الرجل؟" لا قيمةَ له. وإذا كان لا بد من جوابٍ عليه، فبالمستطاع إعطاء جواب فلسفي مفاده أن الكون يجب أن يتكون هكذا ضرورةً (مُرغَماً، مَيَّالاً، عاقلاً، راغباً)، لا غير.

من هنا، فالبحث والتمحيص في المرأة باعتبارها كثافةَ العلاقات الاجتماعية، ليس ذا معنى وحسب، بل ويتسم بأهمية قصوى من حيث تخطي (تحليل) العُقَدِ الاجتماعية العمياء أيضاً. وبما أن وجهة النظر الرجولية السلطوية قد خُلِعَت عليها مسحةٌ من الغفران، فإن تحطيم العَمى المعني بالمرأة بمثابةِ ضربٍ من ضروبِ تحطيم الذَّرَّة، حيث يتطلب الجهودَ الفكرية العظمى وكسرَ شوكةِ الرجولة السلطوية. أما في جبهة المرأة فينبغي تحليل المرأة المُنشَأة اجتماعياً في الأصل، والتي تَكاد تَجعلُ من ذلك نمطاً وجودياً لها؛ وتحطيمَها بالمثل. فخيبات الأمل (عدم تجسيد اليوتوبيات والمناهج والمبادئ في الحياة العملية) المُعاشة في انتصار أو فشلِ كل الكفاحات الديمقراطية والأخلاقية والسياسية والطبقية المنادية بالحرية والمساواة، مشحونةٌ بآثار شكلِ العلاقةِ (فيما بين المرأة والرجل) الحاكمة (السلطوية) غير المُحَطَّمة. ذلك أن العلاقات المُغَذِّية لشتى أنواع اللامساواة والعبودية والاستبداد والفاشية والعسكرتارية، إنما تستقي منبعَها العين من شكلِ العلاقةِ تلك. بالتالي، إذا كنا نَوَدُّ إضفاء التداولات المقبولة التي لا تؤدي إلى خيبة الأمل فيما يتعلق بالكلمات التي طالما يدور الحديث عنها، من قبيل المساواة والحرية والديمقراطية والاشتراكية؛ فينبغي حينها فك وتمزيق شبكة العلاقات المنسوجة حول المرأة، والقديمة بقدرِ عمر الطبيعة والمجتمع. وفيما خلا ذلك، ما من سبيلٍ آخر يؤدي إلى الحرية والمساواة (الملائمة للفوارق) والديمقراطية الحقيقية والأخلاق غير الازدواجية.

منذ ظهور الهرمية أُضفِيَ المعنى على الجنسوية بأنها أيديولوجية السلطة. إنها مرتبطة عن كثب بالتحول الطبقي والسلطوي. كل البحوث والأرصاد الأثرية والأنثروبولوجية والمعاصرة تدل على أنه ثمة مراحل كانت المرأة فيها منبع الاقتدار، وأنها امتدت مدةً طويلة من الزمن. هذا الاقتدار ليس بحاكمية السلطة المتاسسة على فائض الإنتاج، بل بالعكس، إنه اقتدار ينبع من العطاء والإنجاب، ويُعَزِّزُ الوجودَ الاجتماعي. ذلك أن الذكاء الذي لا يبرح قويَّ التأثير لدى المرأة، له أواصره الوطيدة مع ذاك الوجود. وعدم احتلال المرأة مكانةً ملحوظةً في حروب السلطة المتأسسة على فائض الإنتاج، وكذلك نمطُ وجودها الاجتماعي؛ إنما معنيان بوضعها هذا.

تشير اللُّقى التاريخية والمشاهدات اليومية بجلاءٍ ساطع إلى أن الرجل لعب الدور الريادي في تَطَوُّرِ السلطة المتمحورة حول النظام الهرمي والدولتي. ولتحقيق ذلك كان ينبغي تخطي وكسرَ شوكةِ اقتدارِ المرأة المرتقي إلى آخر مرحلة من المجتمع النيوليتي. هذا وتُؤكِّد اللُّقى التاريخية والمشاهدات اليومية مرةً أخرى أنه تم خوض الصراعات الضارية المتنوعة الأشكال والطويلة المدى ضمن هذا السياق. ونخص بالذكر الميثولوجيا السومرية التي تُسَلِّطُ الضوءَ على ذلك، وكأنها تكاد تكون ذاكرةَ التاريخ والطبيعة الاجتماعية.

تاريخ المدنية هو تاريخ خُسران وضياعِ المرأة في الوقت نفسه. هذا التاريخ بآلهته وعباده، بحُكامه وأتباعه، باقتصاده وعلمه وفنه؛ هو التاريخ الذي رَسَّخَته شخصية الرجل الحاكم. بالتالي، فخُسران وضياعُ المرأة يعني التهاويَ والضياعَ الأعظم باسم المجتمع. والمجتمع المتعصب جنسوياً إنما هو ثمرةُ هذا السقوط والخُسران. والرجل المتعصب جنسوياً يتميز بِنَهَمٍ كبيرٍ لدى بسط نفوذَه الاجتماعي على المرأة، لدرجةِ أن أيَّ تَماسٍّ معها يُحَوِّلُه إلى استعراضٍ للسيطرة. حيث بُسِطَت علاقةُ السلطة باستمرار على ظاهرةٍ بيولوجيةٍ كالعلاقة الجنسية. إذ لا ينسى بتاتاً أنه يُضاجِع المرأةَ جنسياً بنشوةِ الانتصار عليها. لقد كَوَّنَ عادةً جد وطيدةٍ على هذا الصعيد، وابتَدَع الكثيرَ من العبارات: "تَمَكَّنتُ منها"، "أَنهَيتُ أمرَها"، "العاهرة"، "لا تُنقِص المَنيَ من رحمِها، ولا العصا من ظهرِها!"، "الفاحشة، المومِس"، "إنه صبي كالبنت"، "إذ ما أَطلَقتَ عنانَ ابنتِكَ، فستهرب إلى الطَّبَّال أو الزَّمَّار"؛ وغيرها من القصص غير المعدودة التي يُضرَبُ بها المَثَل. ساطعٍ سطوعَ الشمسِ كيفية تأثير العلاقة فيما بين الجنسوية والسلطة داخل المجتمع. فحتى في يومنا الراهن يَتَمَتَّعُ الرجلُ بالحقوق اللامحدودة على المرأة، بما فيها "حق القتل"؛ كواقعٍ سوسيولوجيٍّ قائم. وتُطَبَّقُ تلك الحقوق يومياً. بالتالي، فالعلاقات تتسم بطابع الاعتداء والاغتصاب بنسبةٍ ساحقة.