Kurdî  |  Tirkî

ظلال ليلة في زاغروس

جيندا روناهي

الشمس تهبط خلف الأفق البعيد رويداً رويداً وسحب المغيب تتناثر بالألوان المختلفة، والغيوم السوداء المتقطعة في السماء تهب الرياح وتجلب معها رزاز المطر الناعم، مما يزيد على الجو حزناً وصمتاً بلا حدود.الطبيعة بكل ما في جوفها أمام باب جبروت شتاءٍ قارس. لذا كان يتطلب القيام بالتحضيرات اللازمة

لمواجهة هذا الموسم العاصي الذي ينأى من بعيد بشائر براعم الربيع وبهجة النفوس. 

 

 

ففي نظرات كل شخص منا يطحن الأمل والحزن والانتظار معاً، جميع العواطف والأحاسيس تدخل في دوامة غير معروفة الاسم والعنوان؛ أحياناً كانت تشرح عن ذاتها بأنفاس عميقة.

تجمعنا حول فانوسٍ فقيرٍ، غاصت كل واحدة منا في تأملات أعين الأخرى. أردنا أن تعرب كل واحدةٍ منا عن إحساسها وعواطفها وشعورها في أمسيةٍ كهذه بسرد بعض الذكريات الجميلة عن المغامرات والمجريات التي مرت، ومن المواقف المضحكة أيضاً.

امتلئ جو الغرفة قليلاً بأصوات وضحكات، لكن أغلبها مرت بصمتٍ صارخ يخترق الأسماع ويعطبها.

كل فكرة وكل حكاية وكل إنسان بإحساسه وعواطفه، عالمٌ وروايةٌ وملحمة وأسطورةٌ وحياة.

زفير الرياح كلما يزداد، يجلب معه خوفٌ مجهول من حدوث شيء لا نتوقعه، ويكون أبعد من كل التخمينات. كانت أمواج هذه الرياح تجلب معها أصوات عواء الذئاب، وصرخات الآلام والأحزان حتى أواخر ساعات الليل؛ كأن أحداثاً تقع ونحن لا نعرفها، وقلبنا يتغلغل ويفور. لهيبُ جمرٍ يلتهم قلبي وفؤادي يحترق رويداً رويداً، مثل فتيل ذلك القنديل. تنتاب أعماقي أمواج مجنونة، لا تعرف الهدنة والسكون.

كم رغبت أن أمسك القلم بين أناملي وأكتب شعوري وعواطفي الممزوجين بأحاسيس هذه الأمسية. مهما حاولت، لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل؛ كما تغرق سفينة في عرض بحرٍ متلاطم الأمواج.

أحسست أن عشرات الأيدي تحاول أن تخنقني. بصبرٍ نفذ، ألححتُ أن تنتهي هذه الليلة بسرعة. أنهكتني كل هذه الساعات الطويلة حتى انزلقتُ إلى غفوةِ نومٍ خفيفة. لحظاتٌ وسمعتُ أصوات الأقدام تطأ الأرض بخفةٍ مذهلة، فجأةً ارتفعت أصوات صرخاتٍ معها؛ كأن شرارة نارِ حربٍ أُطْلقتْ، ووقعت معركة حامية في الخارج. نهضت من بين الفراش بسرعة البرق، فتحت الباب وركضت إلى الخارج لأعرف ماذا يحدث؛ فوجدت قطيعاً من الذئاب الشرسة تهاجم قطيع خراف بيت أبي، هنا يقتل واحداً، وهناك يجرح أخر، وهناك يخنق واحداً ويسبح بين دمه الأحمر، من بينهم عزيز قلب أمي الحبيبة.

ركضت صوبهم، صرخت بصوتٍ عالي. فجأةً ظهرت من أعماق الوديان أمواج ضبابية كثيفة، عمت الجو وعمت الدنيا أمام ناظري. لم أعد أرى شيئاً، سوى سماع الأنين والنحيب من بعيد.

هرعت مرةً أخرى خلف هذا الصوت، إلى أن وصلت إلى حافة هاويةٍ عميقة. كأن هناك من دفعني للوقوع في هذه الهاوية، بصرخةٍ استيقظتُ وجفلت من النوم، ووقع القلم من يدي مع قطراتٍ من دموع الحزن.

انتابني إحساسٌ موحشٌ غريب مرةً أخرى، كلما حاولتُ أن أقنع نفسي أنَّ ما رأيته ليس إلا حلم لا أكثر، لكن قلبي كان كالبركان، يتغلغل وينفجر.

مع بزوغ الفجر الأول، انطلقت كالسهم إلى الخارج، ووقفت على صخرةٍ كبيرة، استنشقت نفساً عميقاً من أنفاس هذا الصباح... والشفق الأحمر مع ضبابه على رؤوس الجبال والوديان وحدود السماء، استنشقت إلى أعماقه بأنفاس لا نهائية حتى طلوع الشمس الذهبية، ككتلة نار محمية بنشر خيوطها الذهبية إلى جميع أصقاع الأرض كما يتسرب الماء في شقوق أرض قاحلة، حينها عرفتُ أنَّ ما رأيتهُ في الليلة البارحة لم يكن حلما إنما كان حقيقة.

وقعتْ حربٌ في أطراف زاغروس في مملكة الآلهة، هاجمتْ مجموعة من جنود العدو على سرية من رفاقنا وهم ما زالوا شبان، براعم وزهورٌ مبتهجة يانعة في حديقة الآلهة. في مملكة الهلال الذهبية، قتلوهم وجرحوهم وتقاسموا على دمائهم الطاهرة، كان من بينهم خبات رضيع أمي الصغير، عزيز قلبها وفلذة كبدها.

خبات الذي ترعرع في مهد القلوب، وكبر بحليب الحب والحنان، ذا روح ملائكي بريء أصبح أسطورة العصور وحكاية الأجيال، بل بطل من أبطال الثورة الآبوجية الذي تجسد في روحه روح المقاومة والخلود، ضد القلوب القابعة للحقد ومصاصي الدماء.

ستبقى الحصن المنيع وراية الحرية أيها الشهيد. الشهادة شرف ووسام الإنسانية النبيلة التي ضحى أصحابها بأرواحهم فداءً للحق والعدالة. ستبقى الروح النابض في عروقنا، ستبقى أنشودة الحرية على شفاهنا أيها الشهيد، لك المجد والخلود.