Kurdî  |  Tirkî

مسيرة لم تنتهي

روسل أمانوس
gerilla 1 7كنا نسير بخطواتٍ سريعةٍ وخفيفةٍ في وادي زاب، ذلك الوادي العميق الذي ينبهر العين أمام جبروته. كلما تسارعت خطواتنا، تسارعت معها رحلتنا الفكرية في جولة إلى الماضي تارة، ليرسم مستقبلاً مزدهراً تارة أخرى. كنا نسير في مكانٍ  تداخلت فيها الأزمنة وكأنه يجرنا إلى تاريخٍ قديم إلى عمق أحداثِ جرت هنا وما تزال تحافظ على حرارتها لتحثنا على نضالٍِ حازم. كنا مثقلين بعبء حقيبتنا والمخازن التي تُزَينُ خصرنا فتُضاعف وزننا، بوزنين، فالعبء الذي كنا نحمله لم يكن أقل بكثير من وزننا ومع ذلك خطواتنا كانت خفيفة ورشيقة لم نكن نعير ذلك الثقل أي اهتمام. كنا نسير ونسير ونرتفع من ذلك الوادي العميق نحو قممها التي كانت تسكن قلب السماء، والعلو بدوره كان يخطط لنا طريقا نحو مستقبل مشرف لحياة كريمة تحضن كل القوميات في وحدة إنسانية. نسير ونتمعن في كل شيء يجري معنا في هذه الطبيعة التي تحضن ثنائيات رائعة، الحنان والجبروت، الاحتشام والتواضع. قبل عدة أشهر كانت هذه الأماكن مسكنناً لزهورٍ ونباتاتٍ لا تعدُ ولا تحصى. كان الماء يقفز من كل مكان بعد ذوبان الثلوج لتجري في سواقي رسمت لها قنواتٍ في كل منخفض فيصدر من خريرها ألحان فريدة تطرب كل إذنٍ صاغية. اليوم تغير ذلك الوضع، تغير من حنان وجمال رهيب إلى شموخٍ وهيبة. سرنا في مراعيها التي تخلو من الأشجار لندخل غاباتها الكثيفة بأشجار البلوط. وادي زاب على رغم من مكانته الإستراتيجية والتي لا غنى عنا في حرب الكريلا ضد أعدائه، فهو موطن الإلهام لكل كريلا يثري فيها حياته الأدبية والفنية أيضاً، فيزين دفتر مذكراته وخاطراته بكل ما تقع عليه عينه وكل أحساس يستلهمه في هذا المكان ليعش الزمن كما يجب أن يعاش.
 أسرعنا من خطواتنا وخفَ الصوتُ من تحتِ أقدامنا. صمت عميق حل في كل مكان حتى أفكارنا التي كانت في جولة متعددة أجلت رحلتها إلى إشعار أخر. لقد اقتربنا من مكان العملية وكل تصرفاتنا سارت في نفس المجرى حسب المخطط الذي رسم لنجاح العملية.
قمنا بعمليتنا العسكرية في رندكة، وجاء وقت الانسحاب. لم تكن المجموعة التي انسحبت معها في حالة جيدة فثلاثة من رفاقنا كانوا مصابين بجروح عميقة و ملابسهم كانت منغمسة بالدماء. أنا والرفيق...فقط لم نصب بجروح. كان علينا السير بسرعة والابتعاد عن مكان العملية ومن ثم الالتحاق بالرفاق الآخرين والوصول إلى بر الأمان. لم يكن أحد منا على معرفة تامة بتلك المنطقة فبقينا فيه يومين متتالين نسير ونسير دون أن نصل إلى مكان الرفاق. وضع الرفاق الجرحى كان يصعب الأمر علينا لأننا لم نكن نملك شيئا يخفف عنهم آلامهم، رغم ذلك لم يتوانوا عن السير معنا كما لو لم يكونوا مصابين بتلك الجروح. تلك الأماكن التي قطعناها لساعات وكانت تبدو لنا مسافة قصيرة قبل القيام بتلك العملية، طالت وطالت تحت أرجلنا وامتدت أمام أعيننا. وكأن الجاذبية الأرضية تمركزت في هذه المنطقة وبدأت تشدنا نحوها. هؤلاء الرفاق الذين كانوا يسيرون على هذه الجبال بسرعة وخفة حتى كاد المرء  يعتقد بأنهم سيُحلقون من سرعة سيرهم، يخطون اليوم خطوات ثقيلة. كنا جائعين ولم نكن نملك أي شيء يسد جوعنا لكن المشكلة التي كنا نعاني منها لم يكن الجوع ولم يستطع الجوع أن ينال منا في يوم من الأيام ليعيق سيرنا. حارة الصيف القوية تسربت إلى أجسادنا وبدأت تنهكنا وكأن كل ما حولنا كان يحترق ويزيد من حرارة الجو، سهام الشمس الحارقة اخترقتنا من دون أي رحمة. تلك الشمس التي كانت تلفح كل شيء في الصحراء  لم تبخل علينا بهذه اللفحة في هذا اليوم. وتلك الطرق المتعرجة الضيقة بدأت تمتد تحت أرجلنا وتطول كلما زادت حرارة النهار. هذه الجبال التي كانت كل صخورها نافورة للماء قبل عدة أشهر بدأت جافة كالصحراء. كل خطوة من خطواتنا كانت تراوح مكانها من دون أن تقطع المسافة المطلوبة كنا نسير ببطء وكأن الدنيا كانت على أكتافنا وتعيق سيرنا. ويتعمق العطش في جسدنا المبتل بالعرق الذي أخذ يسير على وجوهنا كما يسير النهر بين متعرجات الجبال، وتجف حلوقنا. العطش أنهكنا وحرارة الشمس بدأت تنال منا لنتخيل كل شيء من حولنا يتحول إلى رماد.
سرنا بخطواتنا المتعبة المنهكة حتى وصلنا إلى طريق إسفلتي.عبوات الماء الفارغة زينت الطريق من كل جانب ولسوء حظنا لم تكن تلك العبوات تحتوي على قطرة واحدة من الماء. حالة الظمأ جعل من أحدى رفقنا الجرحى يحمل كل عبوة يقع تحت عينه فيلتقطها ويمدها إلية ومن دون أن اسأله عن سبب أعطائي لتلك العبوات الفارغة، كنت أضعها في حقيبتي حتى لم يعد هناك مكان لأضع فيها المزيد من تلك العبوات الفارغة. هذه الشمسُ التي كانت صديقتنا في كل الأوقات أصبحت تتغيرُ أمامَ أعيننا حتى تمنيا لو تغيبَ عنا ولو قليلا كي يسكت ذلك العطش الذي كان يصرخُ في جسدنا طالباً الماء. بدأت لي حقيبتي ثقيلة لوهلة وكأن تلك العبوات التي وضعتها في حقيبتي كانت مليئة بالماء، وبسرعة أخذت عبوة فتحتها ومدتها إلى فمي ولكنها كانت فارغة فقد توهمت ذلك. من خجلي الشديد استرقت نظرة إلى الرفاق من دون أن يدركوا بأنني أنظر إليهم لأرى إن كانوا قد شاهدوني في ذلك الوضع أم لا. من حسن حظي أن الجميع كان منهكاً ولم يكن في مستطاعهم أن يتعقبوا كل ما يدور من حولهم. نسيت العطش بسبب تلك الحادثة لمدة قصيرة وبدئنا بالسير مرة أخرى. لم يمر وقت طويل وأعطينا مهلة أخرى لم يكن في مستطاعنا السير أكثر، فالرفاق الجرحى أنهكم التعب والعطش. بدأ أحدى الرفاق الجرحى يهمس بصوته الخافت ويقول: أنا أسمع صوت خرير الماء يا رفاقي ألا تسمعون ذاك الصوت.  لم أرد أن أحطم خياله الصغير ولكن لم أتمالك نفسي طويلاً وأجبته: أنت تتخيل ذلك الصوت بالسبب العطش الذي تحس به وكل ما تسمعه هو صوت الرياح لا غير. لم يمر لحظة عاد وقال: أنا أسمع صوت الرفيق... ينادينا وسيأتي لنا بالماء. وردت عليه مرة أخرى: هذا ما تريده يا رفيق. بعد برهة سمعت ذلك الصوت الذي سمعه من قبل. فقد كنا قد بعثنا برفيقنا الذي لم يكن مصاباً بجروح ليبحث لنا عن مكان آمن ويجد نبعاً في مكان قريب. دهشتنا كانت بسب مجيئه بسرعة التي لم نكن نتوقعه. عبوة الماء التي أتى بها  كانت صغيرة جدا،ً لذا لم يرد أحد منا أن يشرب الماء قبل الأخر. بقيت عبوة الماء جانباً لمدة وبعد إلحاحنا الطويل شرب كل واحدٍ منا قليلاً من الماء ليترك الباقي لرفاقه لكن ذلك لم يطفئ ظمئ الرفاق الجرحة، حر الصيف من جهة وجرحهم من جهة كان يزيد من عطشهم وشربهم للقليل من الماء لم يكن إلا قطرتين يمطران على صحراء عطشهم. خفتُ عليهم كثيراً، كان عليهم أن لا يشربوا الماء لأن ذلك يشكل خطر على حياتهم ولكن حر الصيف كان ينخر في جرحهم ويحرضهم على طلب الماء.  سألتُ الرفيق عن مكان النبع وعن المسافة التي يجب علينا أن نقطعها كي نصل إليها فأجاب: الماء في مكان قريب و المسافة التي يجب أن نقطعها لا تزيد عن عشرة دقائق. حملنا أنفسنا وقمنا بالسير مرة أخرى على أمل أن نصل إلى النبع بعد عشرة دقائق ونروي ذلك الظمأ الذي أنهك أجسادنا التي لم ترضخ أبداً أمام الكثير من الصعوبات والمشقات. لم تنتهي المسافة التي تبعدنا عن النبع والعشر دقائق أمتدَّ إلى عشرين دقيقة ومن ثم ستين دقيقة ولم نصل إلى النبع. لم يتحمل الرفاق الجرحى هذا الوضع وقالوا للرفيق الذي وجد مكان الماء: لماذا لا تخبرنا عن مكان النبع لا تخف علينا لن نشرب الكثير من الماء وشرب القليل من الماء لا يشكل خطراً على حياتنا فأخبرنا بالمكان الماء.فأجاب الرفيق: أنتم جرحى ومتعبين لذلك لا تستطيعون السير ويطول لكم الطريق، المسافة لا تزيد عن عشرة دقائق وعلينا بالسير كي نصل إليها.
 النبع الذي كان يبعد عنا بمسافة لا تزيد عن عشرة دقائق وصلنا إليها بعد أكثر من ساعة. كان النبع يقع في مكان آمن وتحت حماية الرفاق وأخيراً وصلنا إلى المكان الذي كان علينا أن نصل إليه منذ يومين. ذلك النبع الذي كاد يجف فيه الماء أصبح في عيننا نهراً لا يجف وكأنه ينافس دجلة وفرات في هديره. بعد أن ارتوينا بدأت وقائع تلك الانسحاب من عملية رندكة تمر أمام عيننا كشريط فلم. تلك المشقة التي كانت رفيقنا في ذلك الطريق أصبحت ذكرى لا تنسى في حياة كل واحد منا وما المشقة في حياتنا سوى تشجيع على النضال بشكل أفضل، والارتباط بالروح الرفاقية التي تحثنا على متابعة سير في الطريق حرية بمعنويات عالية.