Kurdî  |  Tirkî

نحو الشمال

ميلا شدادي
dilansirtaأنهت مجموعتنا تحضيراتها لذهاب إلى شمالِ كردستان. وبدأت بالسير مع حلول الليل. تسارعت خطواتنا ونحن نشق ظلام الليل ونترك جبال جنوب كردستان وراءنا. نترك قممها العالية، نترك وديانها الغائرة ونترك في القلب أثرها العميق التي سنأخذها معنا أينما ذهبنا. في قلب تلك الليلة كنا نشتم رائحة الخريف بكل عنفوانها. كنا نسير بين حر الصيف وبرد الشتاء الذي يظهر على جبال كردستان في تداخلٍ وتشابك. بعد الساعات الطويلة من السير المستمر الذي تخللها بعض الدقائق من المهلات القصيرة وصلنا إلى نقطة الاستراحة مع حلول الصباح، اندهشت أعيننا من روعة وجمال النقطة وقوة هيبتها. فروعة تمازج الألوان وأصوت الأوراق التي تسقط على الأرض لتقبل الأرض كانت تشكلُ لوحةً مبدعة الجمال. بعد الاستمتاع بروعة تلك اللوحة التي عشنا فيها لساعات والاستراحة بنيل قسطٍ من النوم، بدأنا بالسير مرة أخرى. فطريقنا ما زال طويلا وعلينا أن لا نتباطأ.
كنا نسير نحو الشمال ورياح الشمال كانت تهب علينا، كنا نسير نحو الشمال والجنوب كان تتمة لشمال. لم نجد الفرق بين جبال كردستان، فجنوبها هو امتداد لشماله وقممها هي تتمة لسلاسل نسفها. لا فرق ولا اختلاف في تلك الجغرافيا التي تجزأت وتقسمت بين المتسلطين. كنا نسير وكان التاريخ يسير معنا وكانت الجبال تروي لنا قصة الصلب، قصة التجزئة. كل المخافر التي كانت مرصوفة على طول الحدود المزيفة كانت تحكي لنا قصة الظالم، قصة دحاك الذي لم ينتهي بموت ضحاك الأب. من الناحية الأخرى كانت القمم تسرد لنا حكاية البطولة، حكاية المقاومة التي جرت بين أحضانها. قصة المكان الذي أمتزج بقصة الإنسان، بطولة مجتمعها الكردي وغدر المتسلطين وطيش الخائنين كانت تهمس في عقولنا. تساير مشاعرنا مع أهدافنا في بناء مستقبل أفضل لهذه الجبال وللمجتمع الذي عاش عليه ماضيه العريق وسيعيش عليه مستقبله المزدهر. سرنا على تلك الجغرافيا التي جرحت بخناجر الغدر وصلبت بقصر شرين لأول وصلبت لمرة الثانية من قبل سايكس بيكوت لأربع أجزاء. سرنا وخطواتنا كانت ممزوجة بغضبنا ضد اللاحق، ضد الظلم وضد التمزيق الذي يمزق الأرض كي يمزق الإنسان والمجتمع فيما بعد. كان الغضب يجري في عروقنا لأن المسامير ما تزال تمزق جسد أمنا الأرض، وكنا فرحين لأننا كنا نسير لنخرج تلك المسامير من جسدها. سرنا على ذلك الجسد سراً ونحن أبنائها الأصليين. تسلقنا القمم العالية وهبطنا إلى الوديان العميقة كي نقطع الحدود ما بين كردستان الجنوبية وكردستان الشمالية. اختلطت عليا المشاعر ولم أتمالك نفسي كثيراً وقلت لرفيقتي التي كانت تسير أمامي: كم هو مؤلم أن يسير المرء على تراب وطنه خفية.خأخأأأ
 ـ تقولين الحق ولكننا نمضي الآن في الطريق الذي سيرفع كل هذه الحدود ويبني مستقبلاً زاهراً لأبنائها حينها سيخطو أبناء وبنات هذا الشعب بحرية على هذه الجبال، وسوف تضحك لهم سماء وتراب هذا الوطن.
ـ أعلم ولكن لا استطيع أن أخرج نفسي من هذا الألم ويزداد غضبي مع كل خطوة نخطها على هذه الحدود خفية.
ـ فلنستمتع بالسير وبهذه الطبيعة ونحن نسير نحو حلمنا بالنضال في الشمال.
سرنا عدت أيام وكنا فيها نستمع إلى الطبيعة الكردستانية ولكن فيما بعد بدأنا نستمع إلى وجع الأقدام التي تعبت من السير وبدأت تحكي هي بدورها قصة التعب. لم نعطيها الاهتمام الكافي كان علينا السير والسير. الحقيقة هو أننا تعلمنا السير والعمل رغم التعب، والساقان تلاءما مع ظروف نضالنا وتعلما أن تُقْبِلا كل شبر تمر عليهما، وأن كانا متعبين فعليهما أن يقطعا طريقاً طويلاً، أن يهبطا بنا إلى الوديان  الغائرة ومن ثم سلكا المرتفعات العالية ليسيرا بنا نحو القمم التي تسكن قلب السماء وتداعب النجوم. وأثناء سيرنا قالت لي رفيقة روزا: لقد نسي رفيقنا الذي يسير في المقدمة أعطاء المهلة. كم سيكون جيداً إن أعطى مهلة لخمس دقائق.
ـ أتعلمين إنني أستمتع كثيرا بالنوم القصير الذي أقوم به أثناء المهلة والنوم أجمل في حياتي هي تلك اللحظات التي أغمضت فيها عيني في بعض الأوقات أثناء إعطاء المهلة بعد السير الطويل.
 بعد لحظات من نقاشنا هذا قام الرفيق بإعطاء المهلة. جلس كل واحد منا في مكانه كي يستريح لبعض الوقت. أغمضت عيني كي استمتع بالنوم لعدة لحظات. لم يزد مهلتنا عن الخمسة دقائق لأن رياح الخريف بدأت تخرق جسدنا المتعب وتزيده برداً. قمنا بالسير فالتحرك في مثل هذه الأوقات هو أفضل ما نفعله كي نتقي من البرد الشديد. كنا نجري ما بين حر السير وبرد الاستراحة على طول المسافة الحدودية ما بين أرض كردستان الواحدة والمجزئة في نفس الوقت.  
   كان الخريف يجرب كل أهواه علينا فتارة تستطع الشمس وتصفى السماء، وتارة تتجمع الغيوم وتبدأ برش رذاذه علينا. ولكن من يستطيع أن يوقف هذه المسيرة نحو الشمال. بعد عدة أيام من السير وصلنا إلى المنطقة التي سنتابع فيها حياتنا الكريلاتية وسنواصل فيها مهماتنا الوطنية. ومن كثرة لهفي لتعرف على المكان الجديد وعلى القمم الشقيقة لقمم الجنوب بدأت أسئل إحدى الرفاق عن المكان: ما اسم هذه القمة العالية، ما اسم  هذه القرية الجميلة وما اسم الوادي العميق. وأجابني مازحاً
ـ هذه القمة تسمى بالقمة العالية وهذه القرية تسمى بالقرية الجميلة وهذا الوادي العميق يسمى بالوادي العميق. رددت عليه: لقد زدت نوراً وسوف أكتب أسامي هذه الأماكن في دفتر مذكراتي. وضحكنا جميعاً.  
بعد أن قطعنا طريقا طويلاً من قمة إلى قمة أخرى ومن واد إلى واد أخر وعبرنا الأنهار والسواقي الكثيرة اقتربنا من المكان الذي سيقربنا من مكان الرفاق الذين سيستقبلوننا في هذه المنطقة. وصلنا إلى مرعى الذي يحيط بقمة كاتومارينوس  الشاهقة. فبالرغم من  قبول فصل الخريف لكن المرعى كانت ما تزال تحافظ على جمالها وعلى ينابيعها التي كانت تنبثق من كل مكان. والقليل من الأشجار التي كانت تفترش مساحة قليلة من المرعى قد أعطى المرعى جمالا أهاباً. فألوان الخريف جعلتها تتوج بأبهة الجمال. يشعر المرء عندما يمر من جانب هذه الينابيع التي تتحد في سواقي ويفرش على الجانب منها أشجار الحور والجنار والفواكه بأن المرء يجول في جنة الأرض التي كان يبحث عنها ووجدها صدفة. ولكن كان علينا أن نسير بسرعة كي نصل إلى مكانٍ آمن. فالمراعي في تلك المنطقة غير آمنة. أسرعنا من خطوتها كي لا يداهمنا الليل في هذا الجو الغائم جزئياً. ودعت تلك المناظر الخلابة وأنا أقول في سري: سوف أستمتع بجمالك حينما نتمركز ونستقر في أماكننا، لكنني الآن أودعك على أمل اللقاء مرة ثانية. اتحدت الغيوم بسرعة وبدأ الظلام يفرش بستاره على الأرض، ليستعد النهار لوداع مثلما ودعنا تلك المناظر على أمل اللقاء عند حلول الصباح. ولكن خطواتنا لم توصلنا إلى المكان المطلوب وحل الليل بظلامه الدامس. كاتومارينوس هذه القمة التي قيل عنها الكثير، قيل عن صلابة جغرافيتها وقيل الكثيرعن صخورها الوعرة، عن تاريخها الطويل الذي حافظت به عن الكرد. كاتومارينوس هذا المكان الذي لم يستطع جنود اسكندر المكدوني تجاوزها والذي أجبر فيما بعد عن التراجع. في هذه الليلة الحالكة سوف نرتمي بين حضنها ونتسلق قممها ونعبر من ممراتها الضيقة. حل الليل بظلامه وبدأت الغيوم برش رذاذها علينا. نحن اللذين حافظنا على نظافة ألبستنا طيلة تلك المدة التي قطعنا فيها الحدود كي تستقبلنا كاتومارينوس بعنفوانها، ونستقيها بملابسنا لنظيفة وبفرحة اللقاء والشوق الذي كنا نكنه له منذ سينين طويلة. مجموعتنا التي لم تبطئ من سيرها رغم كل المصاعب ورغم التعب الشديد الذي حل على كل عضو من أعضاء جسدنا نتيجة الحمولة التي كنا نحملها والسير الطويل الذي أستمر لعدة أيام، بدأت تبطئ من سيرها وكأن الجاذبية الأرضية كانت متمركزة في هذا المكان ذو الارتفاع الحاد. كنا نتقدم بخطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء نتيجة الوحل الذي أحدثه الأمطار التي بدأت تشتد بغزارة فائقة. في بداية حاولنا أن نتقدم من دون أن نُعرض ملابسنا للاتساخ بالوحل، ولكن فيما بعد لم يتقى لدينا القوة في الحفاظ عيها والتقدم معاً، وتركنا ملابسنا النظيفة للوحل والمطر. كان همنا الوحيد هو تسلق تلك الممر المؤدي الوحيد إلى المكان الرفاق كي نتقي برد الليل والمطر الشديد. المسافة المؤدية إلى مكان الرفاق لم تكن تزيد عن عشرين دقيقة ولكن الوحل وعدم معرفتنا للمكان جيداً والظلام الحالك كان يعثر من تقدمنا. حقيبتنا العسكرية والسلاح والمظلة تعرضوا هم أيضاً لنيل نصيبهم من الوحل. بعد أن قطعنا مسافة قليلة ازداد الارتفاع صعوبة وتمسكنا ببعض الصخور كي نحفظ على أنفسنا من الانزلاق والسقوط نحو الأسفل. بعد فترة قصيرة سمعنا صوت رفيقين يأتون من أسفل بخفة وسرعة كبيرة. عند وصولهما إلى المكان الذي كنا نجد الصعوبة في تجاوزها بدآ بمساعدتنا والسير أمامنا كي نستطيع أن نحدد اتجاهنا وقال واحد منهما وهو يضحك على حالنا: "سوف تضحكون لوضعكم هذا بعد فترة ولكن المهم أنكم وصلتم بخير إلى هذا المكان وأنا بدوري أرحب بكم. بالطبع السير في مثل هذا المكان صعب حتى أن جنود اسكندر المقدوني لم يستطيعوا تجاوز هذا المكان ولكنكم وصلتم ولم يبقى إلا عدة دقائق كي نصل إلى نقطة الرفاق فمرحبا بكم في ديار كاتومارينوس يا أبناء النار والشمس".
كنت أقول في سري: أبناء الشمس والنار انغمسوا بالطين وأنت لا ترى هذا بسبب الظلام. ولكن لا يهم في الغد سوف نقوم بتنظيفها.
ـ هل بقي الكثير من المسافة التي علينا أن نقطعها يا رفيق.
ـ لا المسافة الباقية لا تزيد عن عدة دقائق.
لكننا نحن الذين وضعنا أرجلنا لأول مرة على قمة كاتومارينوس في ليلة حالة الظلام وممطرة في نفس الوقت، لم نستطع أن نقطع الطريق لعدة دقائق فكل خطوة كان يصاحبها انزلاق نحو الأسفل. تمسكنا بالأعشاب والصخور حتى استطعنا أن نحمي أنفسنا من الانزلاق نحو الأسفل. ونتيجة لمساعدة الرفيقين وصلنا إلى نقطة الرفاق، لم نرد أن يرونا بهذا الشكل فقد انغمسنا بالوحل من رأسنا حتى أسفل قدمينا. ولكن ما كان علينا أن نفعل فقد وصلنا إلى النقطة بالشكل الذي لم نكن نبتغيه. مع ذلك فرحنا لروئيت الرفيقات والرفاق الذين استعدوا جميعاً لاستقبالنا.
وقالت إحدى الرفيقات: ماذا حدث لكم يا رفاق.
 ـ لم يحدث لنا شيء. قليل من الوحل جمل ألبستنا ليس إلا، وقليل من التعب عمق جذورنا في هذا الأرض.
تناولنا الطعام وشربنا الشاي الساخن وكان ألذ شايٍ شربناه على وجه هذه الأرض، بعد كل ذلك الصراع الذي قمنا به مع الوحل والارتفاع الحاد. ومن بعد التساؤل عن أحول البعض تركنا أجسادنا المتعبة لنومٍ عميق.
في الصباح الباكر عندما استيقظنا من النوم وبعد روئيت بعضنا البعض ضحك كل واحد منا على حال الأخر وعلى كمية الوحل الذي حملنا معنا في ذلك الممر الشاق. سألت رفيقة عن الممر وأردت أن أشاهد ذلك الممر بعيون النهار. قادتني الرفيقة إلى الممر وقالت: أنظري هذا هو المكان الذي عبرتموه ليلة أمس. لم أصدق أول أمر لكن من ثم وجدت أثار تزحلق أقدامنا.
ـ هذا المكان سهل العبور ولكن لماذا تسلقناها بتلك الصعوبة.
ـ  عدم معرفة المكان هو الذي جعلكم تجدون الصعوبة في تسلق المكان .
ـ نعم عدم معرفة المكان كان السبب في كل ذلك لكنها ستبقى ذكرى جميلة وصعبة في نفس الوقت في ذاكرتنا.
ـ الرفيق الذي ساعدكم بالأمس معطوب الساق ولكنه  يتسلق تلك الصخور كما الغزلان ويسير بسرعة فائقة.    
بعد فترة قليلة من بقائنا في تلك المنطقة بدأنا نتسلق ذلك المكان بخفة وسهولة حتى أننا كنا نضحك من أنفسنا لأننا لم نستطع أن نتجاوز ذلك الممر بالسهولة في الليلة الأولى من وصولنا إلى كاتومارينوس.