Kurdî  |  Tirkî

ذكرة وصورة

رابرين زين

كانت ليلة مظلمة. تجمع الضباب على رؤؤس الجبال. واختلطت الألوان بعضها ضمن تناسق ووحدة تامة. حكم السكون تلك الليلة. كنا نشعر بصوت هذا السكون في أعماقنا. اختلط صوت أقدامنا مع صوت البوم الذي كان يثقب ذلك السكون. كنا نسير على الطريقٍ وكأنه رسم بريشة

رسام محترف، كنا نسير على ذلك الطريق وكأننا على علمٍ تام بكل فروعها. نتقدم على أثار خطوات بعضنا البعض من دون أن نرها.  واحدةٌ من رفيقاتنا كانت تقول على الدوام بأن الرائحة التي تأتي بها الرياح تدلنا على الاتجاه الصحيح. رائحة الليل، رائحة السير، رائحة الأشجار وحتى رائحة البومة كانت تبين سرعة السير.عشرة نساء في ظلمة الغابة يتقدمن وهن يسرن على أطراف المنحدرات وينتقلن في حضن الليل. كنا نتقدم ونحن ننظر إلى هذا الظلام الرائع على جانب الطريق.

 نعبر الطرقات من دون أن نخرج من صفنا ونحن نصطف كالخرز. كنت في المؤخرة، وصلني خبر إعطاء المهلة والرفيقات ينقلن هذا الخبر واحدة تلوى الأخرى بصوت خافض. وبعد أربعة خطوات من سيري جلست وأنا اسند ظهري إلى صخرة. وجلست الرفيقات في أماكنهن  وهن يسندن ظهورهن إلى حقائبهن. بدأت باستمتاع وأنا أعلق عيني بالنجوم التي كانت تزين السماء في تلك الليلة المظلمة. شعرت بالتعب يسري في جسدي عندما كنت أنظر إلى النجوم وهي تضيء وتنطفئ. عندها بدأت جفوني تنطبق رويداً، رويداً وبدأت أسمعُ أصوات رفيقاتي كالخيال.عندما نظرت إلى الساعة فيما بعد كانت تمر عليه نصف ساعة ولكنني لم أشعر بذلك الوقت الطويل الذي مر عليه، كنت أعتقد بأنها عدة ثواني. رفيقاتي كن قد ذهبن. وفكرت لأول وهلة بأن أمضي ورائهن قبل أن يفوت عليه الأوان. وقفت بسرعة وبدأت بالسير. وبعد لحظات من سيري تفرع الطريق إلى فرعين حاولت التقدم وأنا أتعقب أثار أقدامهن. لم استطع أن أتعقب أثارهن بعد مدة. وهكذا أدركت بأنني لن أستطيع اللحاق بهن. كان عليه أن أبقى في مكاني حسب قواعد الكريلاتية كي يأتي رفيقاتي ويخذونني من ذلك المكان، عندما يلاحظن عدم وجودي معهن. ومع أنني تعلمت هذه القاعدة في بداية حياتي الكريلاتي، لكني ضعت على الطرقات وأنا أحاول البحث عن رفيقاتي. ولا استطيع الرجوع الآن إلى مكاني السابق. عندما كنت أنظر إلى ما حولي وبدأت الأشجار تكبر أمام عيني وأخذت الأشياء تأخذ شكلاً موحشاً. حينها قلت لنفسي: " لا، لن أخاف فسلاحي في يدي وستأتي رفيقاتي، وسوف يجدنني حتماً" بهذا الشكل كنت أواسي نفسي من ناحية، ومن ناحية أخرى كنت أعاتب نفسي على هذا الخطأ الذي وقعت فيه. صوت من داخلي كان يقول:" وإن رجعن إلى ذلك المكان ولم...". عندما كنت ضمن صراع ذاتي حاصرني فكرة: "إذا جاء العسكر ماذا سأفعل لوحدي". وبسرعة قمت بفحص سلاحي لتكون جاهزة لأي اشتباك مفاجئ. ومن ثم ضحكت على وضعي. وأنا متأكدة بأنه إن كان هناك أحد بجانبي لضحك هو أيضاً على وضعي هذا. لقد قمت بفحص سلاحي عندما بدأنا بالسير. فتحت أمنية السلاح وبدأت بالمضي نحو القمة لأنني شعرت بأن مكاني غير أمن. فالأماكن العالية أمنة بالنسبة للكريلا بشكلٍ دائم. عندما بدأت أتسلق القمة، كنت اسمع أصوات الرفيقات بشكل مستمر. لم يكن هناك أي شيء من حولي عدى الأشجار. ماذا عليه أن أفعل. بدأت الاتجاهات تختلط عليه. أفضل شيء هو الذهاب إلى الأعلى والانتظار حتى حلول النهار. لم أمر من هذا الطريق سابقاً. ولكن أن حل النهار فلا بد أن نجد بعضنا البعض. هذه الجبال هي وطننا الأم. فضياع في أماكننا لا يمكن أن يستمر لوقت طويل. من المحقق أن يوصلنا الطريق لبعضنا البعض. سمعت صوت الماء. فعلى مسافة قصيرة مني عندما تقدمت بعض شيء كان هناك نبع يخرج من تحت الصخور وأتاني رائحة الماء من هناك. عندما كنت أسير في الغابة بدأ العرق يخترقني و أحسست بعطشٍ شديد. تقدمت نحو الماء. أخرجت من حقيبتي عبوة الماء الفارغة وملأتها بالماء. كنت أحمل في حقيبتي قليلاً من الملح وحمض الليمون. خلطت الماء بالملح وحمض الليمون كي أحصل على  سروم الكريلا. هذا الخليط جيد بالنسبة لعطش والتعب كي تسير الأقدام بشكل أفضل. لقد بدأت بالسير مع رفيقاتي منذ عدة أيام وكلهن كن متعبات ولكني كنت أكثرهم تعباً. لأنني انضممت إلى الحياة الكريلا منذ مدة قصيرة جداً. كنت غربية عن الجبال والطرق والسفر. كان البعد عنهن صعب جداً بالنسبة لي. وعندما كنت أفكر بهن قلت لنفسي: "هل أحسوا بعدم وجودي؟ وإن رجعوا ماذا سيفعلن عندما لا يجدنني هناك؟. حتى التفكير بهن جعلني أشعر بدفء في داخلي. إنهن يبحثن عني حتماً. ما أصعب البقاء بدونهن. لقد قطعت الطرق معهن لعدة مرات. لم أحس بالوحدة بهذا الشكل. تذكرت الأيام الأخيرة في هذا الخريف عندما كنت احتمي معهن من المطر تحت النايلون. رفيقاتي اللواتي ذهبن لجمع الحطب والمهمة تبللوا من رأسهم حتى أخمص قدميهن. عندما اجتمعن حول النار وهن يجففن ملابسهن كانت ضحكاتهن يملئ الجوء ولم يأبهن لأي تعب وأي صعوبة مررن به. فرحت رفيقتي التي كانت تجلس بجانبي عندما كانت تسمع صوت الرعد وقالت: من المحتمل أن يخرج الفطر في هذا الجو بعد هذا الرعد. وقلت لها: من منكن مصاب بالفطر في قدميها. ضحكن وقلن نحن نتحدث عن فطر كردستان وليس فطر الأقدام. لم نكن نملك إلا بطانية واحدة كي نتقي برد الليل فحاولنا النوم تحت تلك البطانية الرقيقة. كان الجو بالنسبة لي دافئا في ذلك الوقت لأنني كنت قريبة من رفيقاتي وأنام بالقرب منهن. لقد أحبت النوم تحت بطانية واحدة في تلك الليلة. شعرت بالدفء يتسرب إلى جسدي وكأنهن الآن بجانبي مرة أخرى. بعد أن لفح الريح وجهي أحسست بأنني لوحيدي وانقطعت عن رفيقاتي. شعرت بالضجر يأخذني بين أحضانه وفكرت:" كم سأكون سعيدة لو أن كل ما أعيشه الآن هو عبارة عن حلم".

فقدت الأمل. وتكاثفت رائحة عدم رؤيتهن. وفجأة زاد الحنق في داخلي تجاههن  وصرخت "لماذا تركتموني لوحدي"

قالت لي رفيقة أرجوك أسكتي العدو قريب من مكاننا ماذا حدث؟. كان ظهري مسنداً لصخرة عينها عندما أخذنا المهلة. النجوم نفسها تلمع فوق رأسي. ضحكت رفيقتي وقالت: "هل وقعت في النوم".   

ـ وأي نوم لقد انقطعت عنكم أيضاً

 ـ أنكي موهوبة جداً. كيف رأيت كل هذه الحوادث في مدى لا تتجاوز الخمسة دقائق.

ـ انتهت المهلة هيا بنا لنذهب وإلا ستنقطعين عنا هذه المرة أيضاً.

مسكت بسلاحي الذي وضعته في حضني ومن ثم مسكت بيد رفيقتي كي أقف. كم كان دفئ تلك اليد جميلاً، فلن أترك هذا اليد أبداً.