Kurdî  |  Tirkî

اللحظات من ذاكرة

كولان كابر

خواطر حزيرانكنا نتمركز في عام 2011 في منطقة شهيد خبات، هذه المنطقة التي تقع في ولاية أرزوروم بين مثلث كخي ،أدخلي وأديسه. حيث أنَّ، هذه المنطقة تتميز بكثرة غاباتها وسهولها العميقة،بالإضافة إلى امتلاكها لسلاسل جبلية

تاريخية عظيمة. لذا، عندما ننظر إليها من قمةٍ مرتفعة نحسُّ وكأنَّنا واقفين على حافة شاطئ كبير نبحرُ بجمال وسعها ومنظر طبيعتها الخلابة. حقاً، إنَّ المنطقة شهيد خبات هي من أجمل المناطق الطبيعية الموجودة في ولاية أرزوروم، وفي نفس الوقت التي تؤمن لنا نحن الأنصار وبقية الكائنات الحيَّة إمكانية كافية للعيش بين أحضنها من أجل استمرارية في تواجد.

كانت تتألف مجموعتنا من خمس الرفاق والرفيقات، ثلاثة الرفيقات والرفيقين. إنَّ الرفيقة الشهيدة روناهي كانت ما تزال تزينُ أيامنا بفرحها وسرورها وترسم بسمتها وبهجتها وجوهنا. في ذات يوم وصل رسالةً من المركز القيادة من الولاية إلى الرفيقة روناهي قبل ذهابها إلى العملية. عندها جهزتْ الرفيقة روناهي نفسها على الفور للبدء برحيل. أيضاً، من أجل أنْ تقوم بإتمام المهمة التي كُلفتْ بها من قبل الرفاق. كانت المسافة التي تفصلنا عن الرفاق قرابة ثلاثة أو أربعة أيام على الأقل للوصول إليهم. وكما قلتُ سابقاً، إنَّ منطقة شهيد خبات تُعرفْ بتكاثف وتشابك غاباتها ومناطقها الوعرة، ومن جانب آخر تُعرف بوجود المرتزقة الكورجيين فيها بكثرة. فيعني هذا بأنه يشكل سبباً واحتملاً كبير في ضياع أو مواجهة تلك المرتزقة في كل للحظة. لذا، إنْ أردنا الإبحار في هذه الغابة. أولاً يجب علينا أن نحصلَ على معرفةً وحاكميةً كافية عن طبيعة المؤلفة منها هذه المنطقة بأدق تفاصيلها. لكي نعرف كيف وبأيَّ شكل نقومُ بدفاع وحماية أنفسنا من مخاطر التي تهدد مسارنا في كل آن.  

لقد مرَّ على بقائي مدةٍ طويلة. لكنّنَي وحتى الآن لم نبقى شخصين في منطقةٍ كهذا التي تعرف بالمخاطر والمهالك. أجل، إنَّ الرفيقة روناهي والرفيقين الشباب جهزُ أنفسهم للانطلاق عندما يعمُّ المساء، لأنَّ المساء بالنسبة لنا نحنُ الأنصار ستارٌ نرتديه خلال مغامراتنا ومسيرتنا في الليل. كما إنَّنا نستطيع التحرك فيه بكل سهولة. لقد بدأُ برحيل عندما حلَّ المساء لإتمام المهمة التي كلفُ بها. فمن ثم بقيتُ أنا والرفيقة أرجين لوحدنا فقط في المعسكر. الرفيقة أرجين كانت ما تزالُ جديدة العهد بين صفوف الأنصار والحزب. لم تكن تعرف جيداً كيفية الحماية من المخاطر التي يواجهها الأنصار من جانب، ومن جانب آخر قلة معرفتها على حياة الحزبية والرفاقية. لذا، كان حمايتها والحفاظ عليها واجباً يقعُ على عاتقي ريثما يعود الرفاق إلى معسكر بسلامة. ريثما تتعلم جيداً على حياتنا الأنصارية، إلا أن يحتاج هذا إلى مدة من الزمن. لتستطيع الحصول على تجارب حياتية التي ستواجهها خلال مسيرتها النضالية والثورية.

في تلك الأثناء لم نكن نعرف بأن الرفيقة روناهي والرفيقين الآخرين قد أضعوا مسارهم خلال مسيرتهم. فعندما حلَّ الصباح رأينا بأن الرفيقٌ من تلك المجموعة التي انطلقت في المساء عادا إلى المعسكر. لكنَّ الرفيقة روناهي والرفيق الآخر لم يكن معه. عندها تفاجئتُ كثيراً بعدم وجودهم ومجيئهم.  فيما بعد ملكني أحاسيسٌ وأفكارٌ غربية وبدأتُ بطرح الأسئلة في نفسي، كنتُ أقول هل يا ترى أصابهم مكروه أم ماذا؟ لأنَّ لا أحد منا يعرفُ أو يملكُ معلومة عنهم.  كما أن هذه المنطقة مليئة بالمرتزقة الكورجيين، وقد جعل هذا أن يزداد قلقنا وتوترنا أكثر. لكنَّ لم يكن باليد الحيلة غير الانتظار والصبر إلى أنْ يأتي منهم خبر. لقد انتظارنا حتى الظهيرة. فجأةً رأيتُ أحدٌ قادمٌ نحوي، لاحظتُ بأنَّه ذاك الرفيق الذي كان من تلك المجموعة. في ذلك الوقت ملكني خوفاً كبير علىَّ أن يأتي بخبر غير جيد من أجلهم، سألته؛ ماذا حصل يا رفيقي... فأجابني وقال؛ إنَّ الرفيقة روناهي والرفيق الآخر قد أتوا وهم الآن بانتظارك في الأسفل. فذهبتُ مسرعةَ إليهم، ورأيتُ حقاً بأنها الرفيقة روناهي والرفيق الآخر، وكأنني كنتُ في حلمٍ ولم أصدق برؤيتهم من جديد. كانت الرفيقة روناهي شديدة التعب والإرهاق. وذلك لكثرة السير بسبب ضياعهم الطريق أثناء ذهابهم. أيضاً، لأنَّهم لم يعرفُ جيداً طبيعة المنطقة بشكلٍ كافي. لأنَّ الرفاق فشلُ في أول مرة في الذهاب إلى الرفاق المركز. لذا، أراد الرفاق الذاهب مرةً أخرى إلى الرفاق وذلك عند حلول المساء. نعم، لقد ذهب الرفاق وبقينا مرة أخرى لوحدنا.

بقينا أنا و الرفيقة أرجين لوحدنا مدة أربعة عشر يومنا في تلك المنطقة، فكنا على التواصل مستمر مع الرفاق عبر جهاز الكبير الذي يستخدمه الأنصار عادةً. هذه المنطقة التي تعرف بوجود المرتزقة والمليشيات التي تعمل لصلاح الدولة التركية. لذا، كان حصرنا ورشدنا شديد أكثر من كل مرَّة.

 في يومٍ من الأيام سمعنا فجأة صوتً وحركةً لا طبيعية تـأتي من جوارنا. عندها قمنا مسرعين لمراقبة الصوت القادم من الجوار. وقتذاك طرأ على ذاكرتنا الكثير من الأفكار. وقلنا لبعضنا هل يا ترى بأن الرفاق قد أتوا في وقتٍ متأخر ولم يدخلوا إلى المعسكر خوفاً أن نفكر بأنهم مرتزقة وأن نقوم بإطلاق النار عليهم حسب هذا التفكير. أم هذا الصوت هو صوت الحيوانات التي تحومُ حولنا!... لذا، فضلنا الانتظار لمراقبة الوضع ومن ثم نتحرك حسب الوضع. لقد انتظارنا إلى أن اكتشفنا فيما بعد بأن هذا الصوت الذي قلناه من المحتمل أن يكون الرفاق، إلى أنْ الحقيقة لم تستطيع أن تخبئ نفسها أكثر، ورأينا بأن هذا الصوت هو صوت المرتزقة الكورجيين التي تحومُ في الجوار والتي تحاولُ تحريض الرفاق إنْ كانوا يتمركزون في الجوار المنطقة أم لا، لكي يكشفُ عن أماكننا ويذهبُ مسرعين في الإخبار عن تمركزنا في تلك المنطقة. لقد راقبنهم مدةً من الزمن وشاهدنا جميع تحركاتهم وتقرباتهم إلى أن رحلُ من المنطقة. لم نقم بإطلاق النار عليهم، وسبب بأننا كنا رفيقتين فقط نبقى في المنطقة. فقد فكرنا إن قمنا بمواجهتهم، إن تصبينا مكروهٌ ما  في النتيجة. عندئذٍ لم نكن سنستطيع إخبار الرفاق ما الذي حصل بنا هنا خلال غيابهم عنا. بالإضافة، لأن الرفيقة أرجين كانت ما تزالُ جديدُ العهد، فكان واجبي أن أقومَ بحمايتها ريثما يعودُ الرفاق إلى المعسكر بأمانٍ وسلام. لهذا فضلنا أن لا نقع في اشتباكٍ معهم. وأن نتربص بسكوت ريثما يذهبُ من هنا. لقد انتظارنا إلى أن سطر السكوت رداءه على الجوار وقد حلَّ الليل، وودعنا النجوم والقمر فمن ثم ذهبنا لنبحر في بحر الخيالات وأن نتسلق القمم التي لم يتسلقها أحد من قبل. إلا أنْ حلَّ الفجر وكالعادة قمنا بتجهيز أنفسنا لذهاب إلى جلب الماء من النبع. أيضاً، كنا سنأخذ معنا الحصانين لإروائهم الماء من رأس النبع. ذهبتُ لجلب الحصانين من الحظيرة لأخذه معنا، إلا أنني فُجئتُ بعدم وجود حصانٍ منه. لذا، أطريتُ للبحث عنه ولكنَّي دون أن أخبر الرفيقة أرجين بضياع الحصان وإنني سأذهب للبحث عنه. لهذا تأخرتُ في العودة، وبسبب تأخري عن المعسكر ارتابتْ الرفيقة أرجين أفكارٌ عديدة وخوف كبير أو بأنه قد حدث شيءٌ ما لي بسبب عدم رجوعي إلى المعسكر. وقد تشابكت أفكارها وفكرتْ بأنني قد واجهتُ تلك المرتزقة الكورجيين لوحدي ومن ثم وقعتُ أسيرة في أيديهم. لذا خرجتْ هي أيضاً للبحث عني في الجوار. في تلك الأثناء عدتُ بمساري إلى المعسكر بعد ساعة ونصف من الوقت. إلا أنني فُجئتُ بعدم وجود الرفيقة أرجين في المعسكر، فلم أفكر بأنها خرجتْ للبحث عني بسبب تأخري، بل إنني فكرتُ عكس ذلك بأنه قد حصل شيءٌ سيء لها خلال مدة غيابي عن هنا. فمن ثم بات عليَّ خوفٌ وقلقٌ شديد عليها. وقد تلاشت أفكاري وعواطفي في بعضها وأصبح كالبحر الهائج لا يعرفُ الهدوء والسكينة. من ناحية كان المشهد كوميدية لأن كل واحدة منا قد أضاع الآخر ومن ناحية أخرى كانت تراجيدية لأنَّه هناك احتمال بأن تصيبها مصيبة أو مكروهٌ ما للرفيقة التي أمنني الرفاق عليها. لذا، كانت هذه اللحظات التي أعيشها هي من أصعب الصعوبات التي واجهتها من قبل. وقد فكرتُ في نفسي هل انتظر علىَّ أن تأتي أو أسمع منها خبر، أو أذهب لإخبار الرفاق بالذي حصل للرفيقة أرجين. خلال تفكيري بما يجب أن أقوم بها، رأيتُ بعودة الرفيقة أرجين إلى المعسكر. عندها ملكني صمتٌ وسكوتٌ كبير. وقد انتظرتُ إلا أن هدأتُ من روعتي وخوفي عليها. وفي نفس الوقت رأيتُ بأن الرفيقة أرجين كانت حالتها تشبهُ حالتي تعبة ومرهقة بسبب بحثها عني في تلك الغابة. فمن ثم قالت لي بأنكِ تأخرتِ في المجيء وقد ملكني خوفٌ بأن المرتزقة قد جاءُ إلى هنا أو قد فعلُ شيءٌ ما لكِ. لذا خرجتُ للبحث عنكِ. النتيجة التي خرجت إلى الوسط كانت هي بأنها قد أضعنا بعضنا في أجواءٍ وللحظاتٍ صعبة وحساسة جداً.

خلال مدة أربعة عشر يوم التي بقينا فيها سوياً وبشكل خاص كامرأتين بين جبال شمال كردستان. فهذه اللحظات التي عشناه في ذلك الوقت بالنسبة لنا أصحبتْ واحدة من إحدى التجارب والخبرات حياتي الأنصارية. بالإضافة إلى التعرف أكثر على معرفة الطبيعة في كافة الجوانب. كما أننا حصلنا على القوة والجسارة كبيرة. أحياناً لا نستطيع التعبير عن اللحظات والأواني التي نعيشها، لأن بعض الأشياء لا تعبر ببعض الكلمات بل وإنما نستطيع التعبير عنها بالعيش حسبها فقط.

 بعد كل الأحداث والمغامرات  التي عشناه في ذلك الوقت، فيما بعد جاء الرفاق إلى المعسكر. أحسستُ حينها بأننا قد مرَّ على عدم اللقاء بهم مدة من الزمن، فكان الاشتياق والحنين يفوقُ قدرتها. أيضاً، كان الفرح والسرور يعمُّ وجوهنا، لم نعرف بأيَّ شكل نستقبلهم أو نقوموا بتحضير واجباتهم بعد مرور أربعة عشر يوم.