Kurdî  |  Tirkî

رحلة الربيع الطويلة

آرارات عظيمة

خواطر نيسان الموقعتتمتع منطقة هركول بقسوة وصعوبة طبيعتها الجبلية ووعرة صخورها وشدة انحداراتها الجبلية. إلى جانب الأهمية التاريخية التي تحملها منذ القدم، والتي حافظت عليها حتى يومنا الراهن. فتلك الأماكن التاريخية يروي لكل من يزورها حقيقة البطولات التي حققتها أمراءهم كأمثال شيخ سعيد وسيد رزا

وغيرهم من الرواد في الماضي الغابر. ومن ناحية أخرى، الانتصارات والإنجازات التي حققوها أمام الطغاة الوطن "كردستان" والتي مازالت تخلد في كل ذاكرة حية على خشبة التاريخ. كما أنها تروي لنا ثقافتهم وتراثهم الغني الذي مازال بعد أهالي المنطقة يقومون بتقديسه وتبجيله في بعض أفراحها وأتراحهم. والتي بقيتْ كميراث تخلد عاداتهم وتقاليدهم التقليدية القديمة في يومنا الراهن.

وكما قلنا سابقاً، بحقيقة الطبيعية التي تتألف منها منطقة هركول بصعوبة مناخها الجبلية، إلا أنها تعلم المرء حقيقة مواجهة الصعاب وخلق الإمكانيات في أصعب الظروف. فكل من يعاشر مشقاتها ويتقن لغتها، كلما يكسبه الجسارة والمهارة في كيفية تسلق قممها الوعرة ومصاحبة نسمات هواءها الباردة التي تهب من الشمال على وجوهنا حزماً بحزم. لكن ورغم كل هذا تبدو وكأنها لوحة مرسومة بيد أروع الرسامين، الذين أتقنوا جمع أجمل الألوان الكونية في لوحة واحدة. لذا، تجذب الأنظار إليها من كافة الجهات. فما بالك إنّْ كان الذي يترددُ إلى أحضانها كل يوم والذي يتقن لغة صعوبتها هم كريلا، الذين جعلوا من صخورها ملجأ يترددون إليها ومن أرضها فيرشاً يتمددون عليها بعد تعبٍ وإرهاقٍ كبير من رحلاتهم الطويلة...

أجل، الأنصار هم رحالة يرحلون من مكان إلى آخر، من جبل إلى آخر. فهم يسابقون السحاب برحلتهم الطويلة ويقطعون أشواطاً لا حدود لها، فيتعرفونَ خطوة بخطوة على طبيعة كل منطقة وكل جبل وكل وادي ونهر. وها هم الآن وصلوا برحلتهم الطويلة إلى جبال هركول العاصية. ليرووا لنا بلغتهم ومشاعرهم الثورية أجمل الكلمات والجمل التي تعبر عن جمال ورعة جبال هركول.

هنا تجرأتُ على خطو أولى خطواتي بعد مجيء من أرض الجنوب. هنا تولعتُ بسحر جمال جبال شمال وأرض الرواد الحركة الذي أخطوا أولى خطواتهم في جبهات الأمامية أمام الأعداء. هنا انبثقتْ شرارة الحرب الذي قاده الرفيق الشهيد عكيد. والذي حقق أجمل وأروع آيات النصر الذي صار لنا نهجنا نسيروا عليه في يومنا الراهن. لذا، أعتبر نفسي محظوظة جداً لمجيء إلى جبال هركول، لإتمام المهمات والواجبات التي أصبحتْ حاملاً ينبغي علينا إتمامه، لتحقيق النصر الحليف...

فكان الربيع يدق الأبواب، ونحنُ كنا نجهزُ أنفسنا مع مجيء فصل الخير والبركة، للخروج إلى ساحات العملية. لذا، بدأتْ أولى رحلتنا الأنصارية مع بداية مجيء الربيع إلى أرض العزة والكرامة. كنا سنتوجه من جبال هركول نحو منطقة بستا(ميركو معري). انطلقنا مع بزوغ الشمس الساطعة تماماً في الساعة الرابعة فجراً نحو تحقيق مغامرة جديدة. فعندما أخطينا أول خطوة لنا في منطقة بستا، قد بات لنا وكأننا في جنة النعيم والفردوس الحقيقة. فمنظر طبيعتها الخلابة قد أسحرتنا في سحر جمالها البهي. كانت الأزهار وصوت زغاريد العصافير ترنُ في آذاناً. فكل شيء كان يتمم الآخر. إلا أنَّ الشتاء الذي مازال مخيماً في منطقة هركول الجبلية جعلتها تتأخر في الاحتفال معاً بمجيء الربيع. وصلنا إلى مكان الذي يتواجد فيها الرفاق والرفيقات. تمركزنا عندهم لفترة حتى مجيء الرفيقات المسؤولين عن المنطقة. من أجل أن يقوموا بفرز وتشكيل مجموعات خاصة بتنفيذ العمليات في المنطقة. لذا، كان الصبر يفقدُ حاكيميته رويداً رويداً. ولكن كنا مجبورين على التحلي بالصبر حتى وقت المناسب. بعدها بمدة قصير جاء المسؤولين إلى مكان تواجدنا لنقاش حول المجال الذي ينبغي الحوار عليه والقيام بالواجبات المناسبة. لكن الشيء الغريب الذي حدث هنا هو أنه هطل الثلج في منتصف الفصل الربيع، فكان كل حبة منها أكبر بضعفين مما هطل في شتاء. فكل واحدٍ منا اندهش بما رأته أعيونهم. لم نكن بانتظار هذا. وقد استمر هطول الثلج قرابة عدة أيام في المنطقة. إلا أنَّ هذا لم يشكل عائقاً أمام إتمام واجباتنا الضرورية.

فمع حلول الليل، قد حل معه السبات ووقت الإبحار في بحر الأحلام. رغم هذا الإبحار العميق إلا أننا دائماً نأخذوا تدابيرنا واحتياطاتنا المناسبة في الحماية. فنحنُ قواتٌ أنصارية نحارب ونقاتل الأعداء، فبدورهم يقوموا الأعداء بشن الهجمات بشتى أشكالها على مناطق تمركزنا ونقاطاً العسكرية. لذا، يكون الحراسة شرطاً أساسياً بالنسبة لنا أينما وجدنا. فكانت دور الحراسة في هذا اليوم سيبدأ معي أولاً. أخذتُ سلاحي وخرجتُ إلى الخارج، فظلام كان حالكاً، لم نكن نستطيع رؤية أية شيء آخر سوى سماع أصوات الحيوانات التي كانت تتجول في الجوار. ترقبتُ الأوضاع جيداً، ولكن كان الثلج، الضباب والظلام مخيماً بشكل مذهل وكثيف. أيضاً، لم يكن هناك احتمالاً في قيام العدو بتمشيطات عسكرية في المنطقة. انتظرتُ حتى أن اقتربت مدة انتهاء حراستي، ذهبتُ لأيقظ الرفيقة التي سأسلمها الحراسة من بعدي. لكن وبسبب شدة الضباب والظلام الحالك، إلى جانب كثافة وتشابك الغابات في منطقة ميركو معري، وبسبب عدم حاكيمتي الكافية لهذه المنطقة. لذا، لم أستطع رؤية الطريق الذي يأخذني إلى مخيم الرفيقة الحارسة. وأخذتُ البحث عن موضعها، إلا أنني لم أتمكن من إيجادها. لكني ودون أن أفرق بأنني صرتُ خارج المعسكر، عندها عرفتُ بأنني أضعتُ طريق العود في تلك الظلام الحالك. وفي تلك الثواني انقلب كل شيء رأساً على العقب. فبدأتُ أبحثُ عن مكان تمركزنا، فأخذتُ أبحث وأبحثُ ولكني لم أجد الطريق العودة. كما أنَّ الساعة كانت تقارب الثالثة ليلاً. وأنا مازالتُ أبحث عن مكان مركزنا بدأتُ أصرخ ولكن ليس من مجيب.  وذلك لأنني ابتعدتُ كثيراً عن موضعنا الأساسي. لذا، بدأتُ أفكر وأجرب بطرق مختلفة علىّ أن أعثر على طريق الذي أتيتُ منه. لذا، أطلقتُ طلقة في سماء ولكن النتيجة كانت دون جدوى. لم يكن أحداً بسامع صوت الطلقة أيضاً. أطلقتُ طلقةً أخرى، إلا أن النتيجة كانت ذات الشيء. كما أنَّ، حالتي كانت تسوء أكثر كلما كان يمر الوقت. البرد وهطول الثلج الذي صار يتحكمُ على جسدي الهزيل، فبدأتُ أفقد الحاكيمية على إرادتي التي لا يهزها العدو. وكثيراً ما تردد في نفسي كلمة الاستشهاد، لأن العديد من رفاقنا ورفيقاتنا وصلوا إلى مراتب الشهادة بهذا الشكل. لذا، لم يكن من البعيد أيضاً أن أصل إلى هذه المرتبة بهذا الشكل. إلا أنني لم أفقد إيماني أو أملي على الوصول إلى الرفاق بسلامة, رغم كل الذي واجهتها. في هذه الليلة الطويلة. بعدها تقدمتُ عدة خطوات واستندتُ إلى ساق شجرة وانتظرتُ الرفاق عند تلك الشجرة التي لا حول لها ولا قوة. فأطلقت طلقة أخرى، وبخروج صوت الطلقة تستيقظ الرفيقة المسؤولة من النوم وتسأل جميع الرفيقات عن سبب هذه الطلقة. ومن أين أتت هذه الطلقة، فسرعنا ما يتدخلوا الرفيقات في الأمر ويبدأن بالبحث عن منبع هذا الصوت. فعندما لم يجدوني بينهم علموا بأنني مفقودة، وإنَّ صوت الطلقة دليلٌ على سبب ضياعي في هذه ظلمة الحالكة ، وسرعنا ما يبدأ في البحث عني في الجوار. فجأةً رأيتُ بشخصٍ ما يتقدم صوبي. فكانت الرفيقة الشهيدة زريان، سألتني عن حالتي الصحية، أجبتها بأنني لستُ على مايرام. فمن ثم ارتكزتُ على كتفها وأخذتني إلى المعسكر. وقد أصابتْ الرفيقات الدهشة أثناء رؤيتهم لوضع الذي وقعتُ فيها. بعدها سألتني الرفيقة المسؤولة عن خروجي في منتصف الليل والسبب الذي أدى إلى ضياعي في هذا الوقت. ورغم سوء حالتي أجبتهم عن السبب الذي أدى فقداني في المعسكر. بعدها أخذني الرفيقات إلى المخيم وأمنوا لي الدفء الذي جعلني أن أعيش أجمل وأسعد اللحظات بعد هذه المغامرة الغريبة التي عشتها على مر الحياة الأنصارية.