Kurdî  |  Tirkî

نهاية رحلة قصيرة

جيهان سروج

نهاية نيسان الموقعوصلت بنا الأيام إلى أشهر الخريف، لنودع "زاب" بأيامه الحارة، فزحف الإصفرار المتثاقل على الطبيعة الخلابة، كأنه كهل يلاقي الصعوبة في الحركة، وساد اللون الأصفر على كل ما هو أخضر رويداً رويداً، حتى أصبح هو اللون السائد بدون منازع،

وبذلك بدت الشيخوخة تاركاً ورائه الشباب الخضر اليافع. لتكتمل الصورة بتواجدنا في منطقة "مغارة الجرحى" التابعة لمنطقة زاب، وأنا كعضوة من أعضاء الأنصار أجدد ذاتي ونفسيتي، لأن الأنصار يتأقلمون مع فصول السنة جميعاً، الجميلة منها والشاقة.

في أحد الأيام من عام 1996 اصطحبتني الرفيقة" جيجك" قائدة سريتنا لحضور اجتماع  إدارة المنطقة في هركول، سرنا في الطريق نلوي جبل" هركول"، إلا أنني لم أسر لمسافات طويلة منذ فترة لا بأس بها، وما بالك جبل هركول، فلها موقع خاص محفور في فؤادي، إذ يرتابني هيجان ويخفق قلبي بعنفوانِ دون توقف، كلما أسمع كلمة" هركول"، أصبحت أفتتن بتلك الديار الشاهقة والأراضي الواسعة، التي تقبع تحت حاكميتنا على مد البصر، مما يجعل السير على تربتها مريحاً وسهلاً. تتالت خطواتنا مسافة ساعتين في إحدى الطرق الترابية القديمة، على جانب منه جبل شاهق بانحداره الشديد، وفي الجانب الآخر جرف سحيق. تحدثنا على طول الطريق مع الاستماع إلى الموسيقى، وكنت حذرة أمام أي خطر غير محتسب، إذ يجب الحذر أمام أخطار الطبيعة والعدو معاً وعدم التهاون فيها، رغم حاكمية الأنصار على الجغرافية. فيما نحن نسطر الكلمات شفوياً، تجمدت الرفيقة" جيجك" في مكانها وأشارت بيدها وقالت:

ـ انظري يا رفيقة" جيان" إلى ذاك الشيء… هناك…‍‍

 رمقت إلى المكان المشار، حيث بؤرة سوداء مربعة الشكل تحت حجر أبيض.

ـ نعم… رأيته، ماذا يكون يا ترى…؟

ـ لا أعرفه أنه شبيه بالنافذة…‍

ـ بلى…

كان يشبه نافذة صغيرة مستقيمة بأضلاعها. سألتها:

ـ ألا نذهب ونستفسر الأمر..؟

ـ ليس الآن، فالوقت ضيق ويجب أن نصل الاجتماع في أوانه، سنتفحصه في طريق العودة.

ـ حسناً كما تريدين.

تابعنا المسير، استقبلنا الرفاق بالترحاب، انضمت الرفيقة" جيجك" إلى الاجتماع الذي بدأ بعد فترة قصيرة، واستمر حتى المساء، أما أنا فاستغرقت في حديث شيق مع الرفاق. مع حلول المساء بدأ المطر يهطل بغزارة ولساعات، وواصل ريثما حل الشمس عن العرش. أخلى الرفاق الشباب مجموعة الإدارة لنقضي فيه ليلتنا. حيث تحاورنا حول سر النافذة. أنغام زخات المطر التي تلقي بتحياتها على الخيمة استمرت حتى غلبنا النعاس، لندخل في سبات عميق بعد سير شاق ومتعب.

في الصباح الباكر وفور أن انهينا تناول طعام الفطور استودعنا الرفاق وسلكنا طريق العودة. إذ كان ذاك المشهد يتراقص أمام ناظري دون أن يغيب عن بالي ولو لبرهة من الوقت، كذلك كان الأمر بالنسبة للرفيقة جيجك أيضاً. عجباً…! ما عساه أن يكون..؟

الهيجان كان يحيط بأطرافنا الأربعة، كلما نترك وراءنا مسافة ونقترب من المكان الذي ترك فينا أثراً عميقاً ومجهولاً في الوقت عينه، حتى وصلنا إلى حيث الحجر الأبيض ووقفنا بجانبه متفحصين الأمر، ثم حملت الرفيقة" جيجك" إحدى العصي، وتفحصته بالعصا عسى أن يكون فيها حيوان، بعد تأكدنا من خلوه من أي حيوان، مددت يدي بتمهل إلى داخل النافذة وتحسسته دون أن أشعر بأي شيء غريب. بعد البحث استشعرت وكأن يدي وقعت على بعض  الحطب  بمقاييس مختلفة. أخرجت واحدة لأعرف ماهيتها، لكن وبعد التمعن اندهشنا لما رأته أعيننا، لقد كانت قطعة عظام صغيرة  بيضاء اللون، في البداية ظننا بأنه عظام حيوان، فكلما أخرجنا عظمة ازداد اضطراب قلوبنا لأنه لا يشبه عظام حيوان. وقعت يدي على شيء كاد أن يكتم أنفاسي، أخرجتها بأقل من مهلي… كانت جمجمة..!. جمجمة طفل صغير، وباكتمال مجموعة العظام تجلى هيكل عظمي لطفل صغير. كنت قد وضعت ألف احتمال واحتمال في الليلة الماضية، توقعت أن يكون أثر تاريخي أو مصيدة للحجل أو مخزن أسحلة قديمة حقيقية. بيد أن  كل توقعاتي انتهت بقبر طفل صغير. تشابكت عواطفنا ولم يعد فينا القدرة على الحركة لأن كل ما فينا ترك للحزن، ونحن نتمعن العظام التي هي على وشك الاهتراء. ولم استطع السيطرة على الدموع التي خانتني. وخطر لي بأنه سيحيا ويرزق عندما ألمس جمجمته ويداه الصغيرتين وقدماه، ويمتلئ محجر عينيه ويحيى من جديد. كان علينا مغادرة المكان، ومرة أخرى أعدنا العظام إلى حيث مكانه، وأغلقنا الفوهة بصف من الحجارة  كي لا تتضرر، وتركت  له بصورة لا شعورية فتحة صغيرة، ليساعده على التنفس.

ـ لما فعلت ذلك..؟

سألتني الرفيقة جيجك ونظرت إلي وكأنها تعرف الجواب وتنتظره.

ـ لا لشيء، ليتسرب إليه الأشعة فقط.

آه…أيتها الأم العزيزة كيف لي أن أفهم ذلك الشعور التي أحاطت بك، وأنت تجعلين من هذه الحجارة والتراب أقدس قماط تلفين بها ولدك أو ابنتك، العزيز أو العزيزة، وكيف ذرفت الدمع من عينين لم تسعد ولم تفرح بالابن أو الابنة، قضى أحلى أيام عمره في رحلته القصيرة داخل أحضانك. وعندما همنا بالمغادرة، استودعت الطفل بعد ان قدمت له تحية قلبية.

ظهر الشمس في كبد السماء مشرقاً، بعدما أخلت الغيوم السوداء الداكنة مكانها للغيوم البيضاء وكأنه القطن المتناثر، والسماء تعتليها زرقة صافية. كان الراديو في يدي وإذ به يعزف مقطوعة موسيقية، وفجأة وعلى غير انتظار بدأت كوكبة من أطفال فرقة MKM ( مركز موزوبوتاميا الثقافي) بالغناء وكانت الأغنية بالكردية " بيتنا خلف جبل بينغول" وكأن الأقدار تعبث بحالتنا النفسية والروحية، نظرت إلي جيجك وتبسمنا. كانت الموسيقى تعزف لجسد ذلك الطفل، أنذاك خطر على بالي الحالة التي يعيشها أطفال الكرد، فغرقت في تفكير عميق، وامتد ناظري إلى الأفق البعيد المتواري والممتد بصورة لا منتهية. لكم تمنيت من أعماق قلبي أن يلعب مئات الأطفال الكرد بلعبة طائرة ورق الحرية، كم سيكون جميلاً لو حققت أمنيتي هذه.

 أفصحت للرفيقة جيجك بما يدور في خلدي من أفكار.

ـ إن خيالك قوي ولكن ينبغي ألا يغيب عن بالك بأننا في كردستان.

صحيح إننا نعيش في كردستان الوطن الذي لم ينقذ بنفسه من موقع الطمع والاستيلاء، ولا تملك سبيلاً لأن يعيش شعبه بهويتهم الكردية والعيش كإنسان متمتع بحريته. وهذا الطفل ما هو إلا واحد من أولئك الأطفال الذين ماتوا واستشهدوا بدون أي ذنب، ومن يعلم فلربما ودع الحياة نتيجة المرض أو الجوع. وكمقتل شعبنا في الانتفاضات والقتل العام والقصف الجوي. طفل أجهل اسمه ولا أعرف من يكون ومن هو، لكنه أضحى وبصورة فجائية جزء لا يتجزأ مني. تركت سنوات عدة ورائي إلا أن الطفل بقي في العرش الذي بنيت له في فؤادي. فمن يعلم لربما هو الأن ساكن في وطن الطيور… يتحدث بلغتهم ليبحث بتحياته إلى عامة الأطفال.